القرطبي
168
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
« يا أبا جهل بن هشام ! يا أمية بن خلف ! يا عتبة بن ربيعة ! يا شيبة بن ربيعة ! أليس قد وجدتم ما وعدكم ربّكم حقا ؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا » ، فسمع عمر قول النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه كيف يسمعون ! وأنّى يجيبون ! وقد جيفوا ؟ قال : « والذي نفسي بيده ، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا » ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر « 1 » . فصل اعلم رحمك اللّه ؛ أن عائشة رضي اللّه عنها قد أنكرت هذا المعنى ، واستدلّت بقوله تعالى : فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [ الروم : 52 ] وقوله : وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ فاطر : 22 ] . ولا تعارض بينهما ، لأنه جائز أن يكونوا يسمعون في وقت ما ، أو في حال ما ، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المخصّص ، وقد وجد هنا بدليل ما ذكرناه - وقد تقدم - وبقوله عليه الصلاة والسلام : « إنه ليسمع قرع نعالهم » وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما ، وغير ذلك مما لا ينكره . وقد ذكر ابن عبد البر في كتاب « التمهيد » و « الاستذكار » من حديث ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلّا يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلّا عرفه ، ورد عليه السلام » « 2 » . صححه أبو محمد عبد الحق . وجيفوا معناه : أنتنوا . * * * 59 باب قوله تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الآية ( مسلم ) عن البراء بن عازب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ إبراهيم : 27 ] قال : نزلت في عذاب القبر . يقال له ربك فيقول : اللّه ربي ، ونبيي محمد ، فذلك قوله : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ « 3 » .
--> ( 1 ) المصدر السابق ( 2874 ) . ( 2 ) تقدم تخريجه . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 2871 ) .