القرطبي
156
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وقال ابن عباس في قوله تعالى : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [ التكاثر : 3 ] ما ينزل بكم من العذاب في القبر ، وقوله : ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [ التكاثر : 4 ] ؛ يعني في الآخرة إذا حل بكم العذاب . فالأول في القبر ، والثاني في الآخرة فالتكرير للحالتين . وروى زرّ بن حبيش عن علي رضي اللّه عنه قال : كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ [ التكاثر : 1 - 3 ] يعني في القبور . وقال أبو هريرة : يضيق على الكافر قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ، وهو المعيشة الضنك . وروى أبو هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أتدرون فيمن نزلت هذه الآية » ؟ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى [ طه : 124 ] « أتدرون ما المعيشة الضنك » ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : « عذاب الكافر في القبر ، والذي نفسي بيده إنه ليسلّط عليه تسعة وتسعون تنينا ، أتدرون ما التنين ؟ تسعة وتسعون حية ، لكل حية تسعة رؤوس ينفخن في جسمه ويلسعنه ويخدشنه إلى يوم القيامة ، ويحشر من قبره إلى موقفه أعمى » « 1 » . وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري : قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « يسلّط على الكافر في قبره تسعة وتسعون تنينا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة ، ولو أن واحدا منها نفخ في الأرض ما أنبتت خضرا » « 2 » . وفي حديث عبد اللّه بن عمر بن العاص موقوفا : « ثم يؤمر به - يعني الكافر - فيضيق عليه قبره ويرسل عليه حيات كأمثال أعناق البخت ، فتأكل لحمه حتى لا تذر على عظمه لحما ، وترسل عليه ملائكة صمّ عمي يضربونه بفطاطيس لا يسمعون صوته فيرحموه ، ولا يبصرونه فيرحموه ، ولا يخطئون حين يضربونه ، يعرض عليه مقعده من النار بكرة وعشيا ، يدعو بأن يدوم عليه ذلك ولا يخلص إلى النار » الحديث وقد تقدّم .
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير الطبري في « تفسيره » ( 16 / 228 ) وأبو يعلى في « مسنده » ( 11 / 521 / 6644 ) وابن حبان ( 7 / 392 / 3122 ) والآجري في « الشريعة » ( 2 / 178 - 179 / 895 ) والبيهقي في « إثبات عذاب القبر » ( 68 ) . وإسناد الحديث حسن ؛ ينظر كلام محقق « صحيح ابن حبان » . وقد قال الحافظ ابن كثير في « تفسيره » ( 3 / 226 ) : « رفعه منكر جدا » ، ولا أدري سبب هذا القول . ( 2 ) أخرجه ابن أبي شيبة ( 8 / 102 / 71 ) وأحمد ( 3 / 38 ) وأبو يعلى ( 2 / 491 / 1329 ) وابن حبان ( 7 / 391 / 3121 ) والآجري في « الشريعة » ( 2 / 179 - 180 / 896 ) والدارمي ( 2 / 426 / 2815 ) . من طريق : عن دراج أبي السمع ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد به مرفوعا . لكن عند أبي يعلى جاء موقوفا . وإسناده ضعيف لأجل دراج ؛ فإن روايته عن أبي الهيثم ضعيفة .