القرطبي
157
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
فصل لا تظن - يرحمك اللّه - أن هذا معارض للحديث المرفوع : « أنه يسلّط على الكافر أعمى أصم » ، فإن أحوال الكفار تختلف ، فمنهم من يتولى عقوبته واحد ، ومنهم من يتولى عقوبته جماعة ، وكذلك فلا تناقض بين هذا وبين أكل الحيّات لحمه ، فإنه يمكن أن يتردد بين هذين العذابين كما قال تعالى : هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [ الرحمن : 43 ، 44 ] فمرة يطعمون الزقوم ، وأخرى يسقون الحميم ، ومرة يعرضون على النار ، وأخرى على الزمهرير . أجارنا اللّه من عذاب القبر ، ومن عذاب النار برحمته وكرامته . وآخر يفرش له لوحان من نار ، وآخر يقال له : نم نومة المنهوس . كما أخرجه علي بن معبد عن أبي حازم عن أبي هريرة موقوفا قال : « إذا وضع الميت في قبره أتاه آت من ربه فيقول له : من ربك ؟ فإن كان من أهل التثبيت ثبت ، وقال : اللّه ربي . ثم يقال له ما دينك ؟ فيقول : الإسلام ، فيقول : من نبيك ؟ فيقول محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فيرى بشراه ويبشر ، فيقول دعوني أرجع إلى أهلي فأبشرهم فيقال له : نم قرير العين إنّ لك إخوانا لم يلحقوا . وإن كان من غير أهل الحق والتثبيت قيل له : من ربك ؟ فيقول : هاه ، كالواله ، ثم يضرب بمطراق يسمع صوته الخلق إلّا الجن والإنس . ويقال له : نم كنومة المنهوس » « 1 » . قال أهل اللغة : المنهوس بالسين المهملة : الملسوع نهسته الحية تنهسه . قال الراجز : وذات قرنين طحون الضرس * تنهس لو تمكنت من نهس تدير عينا كشهاب القبس « 2 » والمنهوس مرة ينتبه لشدة الألم عليه ، ومرة ينام كالمغمى عليه . قال النابعة : فبتّ كأني ساورتني ضئيلة * من الرّقش في أنيابها السمّ ناقع تسهّد من ليل التمام سليمها * كحلي النساء في يديه قعاقع يبادرها الراقون من سوء سمّها * تطلقه طورا وطورا تراجع * * *
--> ( 1 ) تقدّم ذكره . ( 2 ) انظر « لسان العرب » ( 14 / 305 ) .