القرطبي

155

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

« سبعون ذراعا في سبعين ذراعا » . وفي حديث البراء : « مدّ البصر » . وخرّج علي بن معبد عن معاذة قالت : قلت لعائشة رضي اللّه عنها : ألا تخبريننا عن مقبورنا ما يلقى وما يصنع به ؟ فقالت : « إن كان مؤمنا فسح له في قبره أربعون ذراعا » . قلت : وهذا إنما يكون بعد ضيق القبر والسؤال ، وأما الكافر فلا يزال قبره عليه ضيقا . فنسأل اللّه العفو والعافية في الدنيا والآخرة . سمعت بعض علمائنا يقول : إن حفّارا كان بقرافة مصر يحفر القبور ، فحفر ثلاثة أقبر فلما فرغ منها غشيه النعاس ، فرأى فيما يرى النائم ملكين نزلا فوقفا على أحد الأقبر ، فقال أحدهما لصاحبه : اكتب فرسخا في فرسخ . ثم وقفا على الثاني : فقال أحدهما : اكتب ميلا في ميل . ثم وقفا على الثالث ، فقال : اكتب فترا في فتر . ثم انتبه ، فجيء برجل غريب لا يؤبه له فدفن في القبر الأول ، ثم جيء برجل آخر فدفن في القبر الثاني ، ثم جيء بامرأة مترفة من وجوه أهل البلد حولها ناس كثير فدفنت في القبر الضيق الذي سعته فترا في فتر . الفتر : ما بين الإبهام والسبابة . نعوذ اللّه من ضيق القبر وعذابه . * * * 52 باب ما جاء في عذاب القبر وأنه حق وفي اختلاف عذاب الكافرين في قبورهم وضيقها عليهم قال اللّه تعالى : وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [ طه : 124 ] . قال أبو سعيد الخدري وعبد اللّه بن مسعود : ضنكا ؛ قال : عذاب القبر . وقيل في قوله عزّ وجلّ : وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ [ الطور : 47 ] هو : عذاب القبر ، لأن اللّه ذكره عقب قوله : فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ [ الطور : 45 ] وهذا اليوم هو اليوم الآخر من أيام الدنيا ، فدل على أن العذاب الذي هم فيه هو عذاب القبر ، وكذلك قال : وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [ الأنعام : 37 ] لأنه غيب . وقال : وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا [ غافر : 45 ، 46 ] فهذا عذاب القبر في البرزخ وسيأتي .