القرطبي

149

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

المعقول يقطع بتخطئة ناقليه « 1 » . ونحن نرى المصلوب على صلبه مدة طويلة وهو لا يسأل ولا يحيى ، وكذلك يشاهد الميت على سريره وهو لا يجيب سائلا ولا يتحرك ، ومن افترسته السباع ، ونهشته الطيور ، وتفرقت أجزاؤه في أجواف الطير ، وبطون الحيتان وحواصل الطيور ، وأقاصي التخوم ، ومدارج الرياح ، فكيف تجتمع أجزاؤه ؟ أم كيف تتألف أعضاؤه ؟ وكيف تتصوّر مسألة الملكين لمن هذا وصفه ؟ أم كيف يصير القبر على من هذا حاله روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ؟ والجواب عن هذا من وجوه أربعة : أحدها : أن الذي جاء بهذا هم الذين جاءوا بالصلوات الخمس وليس لنا طريق إلّا ما نقلوه لنا من ذلك . الثاني : ما ذكره القاضي لسان الأمة وهو : أن المدفونين في القبور يسألون ، والذين بقوا على وجه الأرض ؛ فإن اللّه تعالى يحجب المكلّفين عما يجري عليهم كما حجبهم عن رؤية الملائكة مع رؤية الأنبياء عليهم السلام لهم . ومن أنكر ذلك فلينكر نزول جبريل عليه السلام على الأنبياء عليهم السلام . وقد قال اللّه تعالى في وصف الشياطين : إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [ الأعراف : 27 ] . الثالث : قال بعض العلماء : لا يبعد أن ترد الحياة إلى المصلوب ونحن لا نشعر به كما أنا نحسب المغمى عليه ميتا ، وكذلك صاحب السكتة ، وندفنه على حسبان الموت ، ومن تفرقت أجزاؤه فلا يبعد أن يخلف اللّه الحياة في أجزائه . قلت : ويعيده كما كان ، كما فعل بالرجل الذي أمر « إذا مات أن يحرق ثم يسحق ثم يذرّى حتى تنسفه الرياح » الحديث وفيه : « فأمر اللّه البر فجمع ما فيه ، وأمر البحر فجمع ما فيه ، ثم قال : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : خشيتك أو قال : مخافتك » « 2 » . خرّجه البخاري ومسلم . وفي التنزيل فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ [ البقرة : 260 ] الآية . الرابع : قال أبو المعالي : المرضيّ عندنا أن السؤال يقع على أجزاء يعلمها اللّه تعالى من القلب أو غيره ، فيحييها ويوجه السؤال عليها ، وذلك غير مستحيل

--> ( 1 ) وهذه شنشنة أهل الكلام والفلسفة والزندقة ، ومن تبعهم ممن يدّعي العلم والعقل ، وكذا بعض الضّلال ممن يدّعي حبّه وموالاته لأهل البيت ، فتجدهم يتبجّحون بقولهم هذا القول ، وليت شعري أيهما أحق أن يتّهم الحديث الصحيح المنقول إلينا برواية العدول الثقات ، أم تلك العقول الخربة التي لا تستوعب إلا سفاسف الأمور ، واللّه المستعان . وانظر « درء تعارض العقل والنقل » لشيخ الإسلام أحمد بن تيمية ، و « العقلانيون أفراخ المعتزلة العصريون » للشيخ المفضال : علي بن حسن بن علي الحلبي الأثري - نفع اللّه بعلمه المسلمين . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3478 ) ومسلم ( 2757 ) .