القرطبي

150

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

عقلا . قال بعض علمائنا : وليس هذا بأبعد من الذرّ الذي أخرجه اللّه تعالى من صلب آدم عليه السلام وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى [ الأعراف : 172 ] . * * * الفصل الرابع فإن قالوا : ما حكم الصغار عندكم ؟ قلنا : هم كالبالغين وأن العقل يكمل لهم ، ليعرفوا بذلك منزلتهم وسعادتهم ، ويلهمون الجواب عما يسألون عنه . وهذا ما تقتضيه ظواهر الأخبار ، فقد جاء أن القبر ينضم عليهم كما ينضم على الكبار ، وقد تقدّم . وذكر هنّاد بن السري قال : حدّثنا أبو معاوية ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : « إن كان ليصلي على المنفوس ما أن عمل خطيئة قط فيقول : اللهم أجره من عذاب القبر » « 1 » . الفصل الخامس فإن قالوا : فما تأويلكم في القبر : « حفرة من حفر النار ، أو روضة من رياض الجنة » « 2 » ؟ قلنا : ذلك محمول عندنا على الحقيقة لا على المجاز . وأن القبر يملأ على المؤمن خضرا وهو العشب من النبات ، وقد عينه عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقال : هو الريحان ، كما في الكافر يفرش له لوحان من نار ، وقد تقدم . وقد حمله بعض علمائنا على المجاز والمراد خفة السؤال على المؤمن ، وسهولته عليه وأمنه فيه ، وطيب عيشه ووصفه بأنه جنة تشبيها بالجن ، والنعيم فيها بالرياض ، يقال : فلان في الجنة إذا كان في رغد من العيش وسلامة . فالمؤمن يكون في قبره في روح وراحة وطيب عيش ، وقد رفع اللّه عنه عينيه الحجاب حتى يرى مد بصره كما في الخبر ، وأراد بحفرة النار ؛ ضغطة القبر وشدة المسألة والخوف والأهوال التي تكون فيها على الكفرة وبعض أهل الكبائر ، واللّه أعلم . والأول أصح ؛ لأن اللّه سبحانه ورسوله يقص الحق ، ولا استحالة في شيء من ذلك . * * *

--> ( 1 ) إسناده صحيح . ( 2 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في « القبور » ( 122 ) بإسناد ضعيف جدا ، من حديث ابن عمر . والحديث ضعّفه السخاوي في « المقاصد الحسنة » ( 758 ) والعراقي في « تخريج الإحياء » ( 1 / 304 ) وغيرهما .