القرطبي
148
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
ملائكة عميا صمّا يضربون الناس بفطاطيس من حديد ، ولا نجد فيه حيات ولا ثعابين ، ولا نيرانا ولا تنانين . وكذلك لو كشفنا عنه في كل حالة لوجدناه فيه لم يذهب ولم يتغير ، وكيف يصح إقعاده ونحن لو وضعنا الزئبق بين عينيه لوجدنا بحاله ؟ فكيف يجلس ويضرب ولا يتفرق ذلك ؟ وكيف يصح إقعاده وما ذكرتموه من الفسحة ؟ ونحن نفتح القبر فنجد لحده ضيقا ونجد مساحته على حد ما حفرناها لم يتغير علينا ؛ فكيف يسعه ويسع الملائكة السائلين له ؟ وإنما ذلك إشارة إلى حالات ترد على الروح من العذاب الروحاني ، وإنها لا حقائق لها على موضوع اللغة . والجواب : أنا نؤمن بما ذكرناه ، وللّه أن يفعل ما يشاء من عقاب ونعيم ، ويصرف أبصارنا عن جميع ذلك بل يغيّبه عنا . فلا يبعد في قدرة اللّه تعالى فعل ذلك كله ، إذ هو القادر على كل ممكن جائز ، فإنا لو شئنا لأزلنا الزئبق عن عينيه ، ثم نضجعه ونرد الزئبق مكانه ، وكذلك يمكننا أن نعمق القبر ونوسّعه حتى يقوم فيه قياما فضلا عن القعود ، وكذلك يمكننا أن نوسّع القبر مائتي ذراع فضلا عن سبعين ذراعا ، والرب سبحانه أبسط منا قدرة ، وأقوى منا قوة ، وأسرع فعلا ، وأحصى منا حسابا إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ولا رب لمن يدّعي الإسلام إلّا من هذه صفته ، فإذا كشفنا نحن عن ذلك رد اللّه سبحانه الأمر على ما كان ، نعم بل لو كان الميت بيننا موضوعا فلا يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألاه من غير أن يشعر الحاضرون بهما ، ويجيبهما من غير أن يسمع الحاضرون جوابهما . ومثال ذلك : نائمان بيننا أحدهما ينعم والآخر يعذّب ، ولا يشعر بذلك أحد ممن حولهما من المنتبهين ، ثم إذا استيقظا أخبر كل واحد منهما عما كان فيه . وقد قال بعض علمائنا : إن دخول الملك القبور جائز أن يكون تأويله ؛ اطلاعه عليها وعلى أهلها ، وأهلها مدركون له عن بعد من غير دخول ولا قرب ، ويجوز أن يكون الملك للطافة أجزائه يتولّج في خلال المقابر ، فيتوصل إليهم من غير نبش ، ويجوز أن ينبشها ثم يعيدها اللّه إلى مثل حالها على وجه لا يدركها أهل الدنيا . ويجوز أن يكون الملك يدخل من تحت قبورهم من مداخل لا يهتدي الإنسان إليها . وبالجملة : فأحوال المقابر وأهلها على خلاف عادات أهل الدنيا في حياتهم ، فليس تقاس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا ، وهذا ممّا لا خلاف فيه . ولولا خبر الصادق بذلك لم نعرف شيئا مما هنالك . فإن قالوا : كل حديث يخالف مقتضى