القرطبي
147
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
الفصل الثاني الإيمان بعذاب القبر وفتنته واجب ، والتصديق به لازم ، حسب ما أخبر به الصادق . وأن اللّه تعالى يحيي العبد المكلّف في قبره بردّ الحياة إليه ، ويجعله من العقل في مثل الوصف الذي عاش عليه ، ليعقل ما يسأل عنه وما يجيب به ، ويفهم ما أتاه من ربه وما أعد له في قبره من كرامة أو هوان . وبهذا نطقت الأخبار عن النبي المختار صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله آناء الليل وأطراف النهار ، وهذا مذهب أهل السنة والذي عليه الجماعة من أهل الملة ، ولم تفهم الصحابة الذين نزل القرآن بلسانهم ولغتهم من نبيهم عليه السلام غير ما ذكرناه ، وكذلك التابعون بعدهم إلى هلم جرّا ، ولقد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه - لما أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بفتنة الميت في قبره وسؤاله منكر ونكير ، وهما الملكان له : « يا رسول اللّه أيرجع إليّ عقلي ؟ قال : نعم . قال : إذا أكفيكهما . واللّه لئن سألاني سألتهما . فأقول لهما : أنا ربي اللّه فمن ربكما أنتما ؟ » « 1 » . وخرّج الترمذي الحكيم أبو عبد اللّه في « نوادر الأصول » من حديث عبد اللّه بن عمر : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذكر يوما فتّاني القبر ، فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أترد علينا عقولنا يا رسول اللّه ؟ فقال : نعم كهيئاتكم اليوم ، فقال عمر : في فيه الحجر « 2 » . وقال سهل بن عمار : رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته ، فقلت : له ما فعل اللّه بك ؟ فقال : إنه أتاني في قبري ملكان فظان غليظان ، فقالا : ما دينك ؟ ومن ربك ؟ ومن نبيك ؟ فأخذت بلحيتي البيضاء . وقلت : ألمثلي يقال هذا ، وقد علّمت الناس جوابكما ثمانين سنة ؟ فذهبا . وقالا : أكتبت عن حريز بن عثمان ؟ قلت نعم . فقالا : إنه كان يبغض عليّا فأبغضه اللّه . وفي حديث البراء : « فتعاد روحه في جسده » وحسبك . وقد قيل : إن السؤال والعذاب إنما يكون على الروح دون الجسد . وما ذكرناه لك أولا أصح ، واللّه أعلم . * * * الفصل الثالث أنكرت الملحدة ومن تمذهب من الإسلاميين بمذهب الفلاسفة عذاب القبر وأنه ليس له حقيقة ، واحتجّوا بأن قالوا : إنا نكشف القبر فلم نجد فيه
--> ( 1 ) لم يصح ذلك عن عمر ، فقد أخرجهما الحكيم الترمذي بسندين ضعيفين ، واللّه أعلم . ( 2 ) لم يصح ذلك عن عمر ، فقد أخرجهما الحكيم الترمذي بسندين ضعيفين ، واللّه أعلم .