القرطبي
130
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
فجاءت فقال : ألم آمرك أن تبيتي عندهم ؟ فقالت : أردت أن أبيت ، فجاء ابن عمر فأخرجنا . وقال : « اخرجن لا تبيتن أختي بالعذاب » . وعن أبي البختري قال : « بيتوتة الناس عند أهل الميت ليست إلا من أمر الجاهلية » . قال المؤلف رحمه اللّه : وهذه الأمور كلها قد صارت عند الناس الآن سنّة وتركها بدعة ، فانقلب الحال وتغيّرت الأحوال . قال ابن عباس رضي اللّه عنه : « لا يأتي على الناس عام إلا أماتوا فيه سنة ، وأحيوا فيه بدعة ، حتى تموت السنن وتحيا البدع ، ولن يعمل بالسنن وينكر البدع إلّا من هوّن اللّه عليه إسخاط الناس بمخالفتهم فيما أرادوا ، ونهيهم عما اعتادوا ، ومن يسّر لذلك أحسن اللّه تعويضه . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنك لن تدع شيئا إلّا عوضك اللّه خيرا منه » « 1 » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزال في هذه الأمة عصابة يقاتلون على أمر اللّه لا يضرهم جدال من جادلهم ولا عداوة من عاداهم » « 2 » . فصل ومن هذا الباب ما ثبت في « الصحيحين » عن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ليس منا من لطم الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية » « 3 » . وفيهما أيضا عن أبي بردة بن أبي موسى قال : « وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله ، فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال : أنا برئ مما برئ منه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم برئ من الصالقة والحالقة والشاقة » « 4 » . وفي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد وأبي بردة بن أبي موسى قالا : أغمي على أبي موسى وأقبلت امرأته تصيح برنة ، قالا : ثم أفاق ، قال : ألم تعلمي - وكان يحدثها - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أنا برئ ممن حلق وسلق وخرق » « 5 » . ( ابن ماجة ) عن أبي أمامة : « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعن الخامشة وجهها ، والشاقة جيبها ، والداعية بالويل والثبور » « 6 » إسناده صحيح . وقال حاتم الأصم : إذا رأيت صاحب المصيبة قد خرق ثوبه ، وأظهر حزنه ،
--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 5 / 79 - 78 ، 363 ) بإسناد صحيح . ( 2 ) أخرجه بهذا اللفظ : ابن عساكر كما في « كنز العمال » ( 14 / 44 - 45 / 37889 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 1294 ، 1297 ، 1298 ، 3519 ) ، ومسلم ( 103 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 1296 ) ومسلم ( 104 ) . ( 5 ) تقدّم تخريجه في أول الكتاب . ( 6 ) أخرجه ابن ماجة ( 1585 ) وهو في « صحيح سنن ابن ماجة » ( 1289 ) .