القرطبي
109
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
34 باب ما جاء أن القبر أول منازل الآخرة وفي البكاء عنده وفي حكمه والاستعداد له ( ابن ماجة ) عن هانئ بن عثمان ، قال : كان عثمان رضي اللّه عنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته ، فقيل له : تذكر الجنة والنار ولا تبكي ، وتبكي من هذا ؟ قال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن القبر أول منازل الآخرة ، فإن نجا منه أحد فما بعده أيسر منه ، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه » « 1 » . قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما رأيت منظرا قط إلّا والقبر أفظع منه » « 2 » أخرجه الترمذي . وزاد رزين قال : وسمعت عثمان ينشد على قبر شعرا : فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة * وإلّا فإني لا إخالك ناجيا ( ابن ماجة ) عن البراء : قال : كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى وأبكى ، حتى بلّ الثرى ، ثم قال : « يا إخواني لمثل هذا فأعدّوا » « 3 » . فصل القبر واحد القبور في الكثرة ، وأقبر في القلّة ، ويقال للمدفن ، مقبر . قال الشاعر : لكلّ أناس مقبر بفنائهم * وهم ينقصون والقبور تزيد « 4 » واختلف في أول من سنّ القبر ؟ فقيل : الغراب لمّا قتل قابيل هابيل . وقيل بنو إسرائيل ، وليس بشيء . وقد قيل : كان قابيل يعلم الدفن ، ولكن ترك أخاه بالعراء استخفافا به . فبعث اللّه غرابا يحثّ التراب على هابيل ليدفنه . فقال عند ذلك : يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [ المائدة : 31 ] حيث رأى إكرام اللّه لهابيل بأن قيّض اللّه الغراب له حتى واراه ، ولم يكن ذلك ندم توبة . وقيل : ندمه إنما كان على فقده ، لا على قتله .
--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة ( 42367 ) بإسناد حسن كما في « المشكاة » ( 132 ) . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( 2309 ) بإسناد حسن . ( 3 ) أخرجه ابن ماجة ( 4195 ) وأحمد ( 4 / 294 ) ، وهو في « الصحيحة » برقم ( 1751 ) . ( 4 ) انظر « لسان العرب » ( 11 / 9 ) .