القرطبي
110
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
قال ابن عباس : ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامة توبة . ويقال : إنه لما قتله قعد يبكي عند رأسه ، إذ أقبل غرابان فاقتتلا ، فقتل أحدهما الآخر ، ثم حفر له حفرة فدفنه ، ففعل القاتل بأخيه كذلك ، فبقي ذلك سنّة لازمة في بني آدم . وفي التنزيل : ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ [ عبس : 21 ] أي : جعل له قبرا يوارى إكراما له ، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله الطير والعوافي . قاله الفرّاء . وقال أبو عبيدة : أقبره : جعل له قبرا وأمر أن يقبر ، قال أبو عبيدة : ولما قتل عمر بن هبيرة صالح بن عبد الرحمن ، قالت بنو تميم ؛ ودخلوا عليه : أقبرنا صالحا ، فقال : دونكموه . وحكم القبر : أن يكون مسنّما مرفوعا على وجه الأرض قليلا « 1 » ، غير مبنيّ بالطين والحجارة والجص ، فإن ذلك منهي عنه . وروى مسلم عن جابر ، قال : « نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يجصّص القبر ، وأن يقعد عليه ، وأن يبنى عليه » « 2 » ، وخرّجه الترمذي أيضا عن جابر ، قال : « نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن تجصّص القبور ، وأن يكتب عليها ، وأن يبنى عليها ، وأن توطأ » . قال أبو عيسى : هذا حديث صحيح « 3 » . قال علماؤنا رحمهم اللّه : وكره مالك تجصيص القبور ، لأن ذلك من المباهاة ، وزينة الحياة الدنيا وتلك منازل الآخرة ، وليس بموضع المباهاة ، وإنما يزين الميت في قبره علمه . وأنشدوا : وإذا وليت أمور قوم ليلة * فاعلم بأنّك بعدها مسؤول وإذا حملت إلى القبور جنازة * فاعلم بأنّك بعدها محمول يا صاحب القبر المنقش سطحه * ولعله من تحته مغلول وفي « صحيح مسلم » عن أبي الهياج الأسدي ، قال : قال لي علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : « ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ ألّا تدع تمثالا إلا طمسته ، ولا قبرا مشرفا إلا سويته » « 4 » . وقال أبو داود في « المراسيل » ، عن عاصم بن أبي صالح : رأيت قبر النبي
--> ( 1 ) ولا يزيد هذا الارتفاع عن شبر ، كما سيأتي . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 970 ) . ( 3 ) « سنن الترمذي » رقم ( 1052 ) . ( 4 ) أخرجه مسلم ( 969 ) .