القرطبي
102
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] يعني : الكافر . وأما المؤمن فله ما سعى ، وما سعى له غيره « 1 » . قلت : وكثير من الأحاديث تدل على هذا القول ، ويشهد له ، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره . وفي الصحيح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من مات وعليه صيام صام عنه وليّه » « 2 » . وقال عليه السلام للرجل الذي حج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه : « حجّ عن نفسك ثم حج عن شبرمة » « 3 » . وروي أن عائشة رضي اللّه عنها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد موته وأعتقت عنه . وقال سعد للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إنّ أمي توفيت ، أفأتصدّق عنها ؟ قال : « نعم » قال : فأي الصدقة أفضل ؟ قال : « سقي الماء » « 4 » . وفي « الموطأ » عن عبد اللّه بن أبي بكر ، عن عمّته ، أنها حدّثته ، عن جدّته ، أنها جعلت على نفسها مشيا إلى مسجد قباء ، فماتت ولم تقضه ، فأفتى عبد اللّه بن عباس ابنتها أن تمشي عنها « 5 » . قلت : ويحتمل أن يكون قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى خاصّا في السيئة ، بدليل ما في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : قال اللّه عزّ وجلّ : « إذا همّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة ، فإن عملها كتبتها له عشرا إلى سبعمائة ضعف ، وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه ، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة » « 6 » . والقرآن دال على هذا ؛ قال اللّه تعالى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
--> ( 1 ) قال المصنف في « تفسيره » ( 17 / 114 ) : « وقال أكثر أهل التأويل : هي محكمة ولا ينفع أحدا عمل أحد » . وقال الحافظ ابن كثير في « تفسيره » ( 4 / 328 ) : « وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء ، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ، ومنصوص من الشارع عليهما » . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 1952 ) ومسلم ( 1147 ) . ( 3 ) أخرجه أبو داود ( 1811 ) وابن ماجة ( 2903 ) وهو حديث « صحيح » كما في « صحيح سنن أبي داود » ( 1596 ) . ( 4 ) أخرجه أحمد ( 6 / 7 ) وأبو داود ( 1679 ) والنسائي ( 6 / 254 - 255 ) وابن ماجة ( 3684 ) وغيرهم ، وهو حديث حسن ، انظر « صحيح سنن أبي داود » ( 1473 ) . ( 5 ) أخرجه مالك في « الموطأ » ( 2 / 24 / 2 ) ، 22 - كتاب النذور والأيمان . ( 6 ) أخرجه مسلم ( 128 ) .