القرطبي

103

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

[ الأنعام : 160 ] وقال تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [ البقرة : 261 ] ، وقال في الآية الأخرى : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ [ البقرة : 265 ] وقال : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [ البقرة : 245 ] . وهذا كله تفضّل من اللّه تعالى ، وطريق العدل : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى فإذا تصدّق عنه غيره فليس يجب له شيء ، إلا أن اللّه عزّ وجلّ يتفضل عليه بما لم يجب له ، كما أن زيادة الأضعاف فضل منه كتب لهم بالحسنة الواحدة عشرا إلى سبعمائة ضعف ، إلى ألف ألف حسنة . كما قيل لأبي هريرة : أسمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يقول : « إن اللّه ليجزي عن الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة ؟ » فقال : سمعته يقول : « إن اللّه ليجزي على الحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة » « 1 » . فهذا تفضّل ، وقد تفضّل اللّه على الأطفال بإدخالهم الجنة بغير عمل ، فما ظنك بعمل المؤمن عن نفسه أو عن غيره ؟ ! وقد ذكر الخرائطي في كتاب القبور ، قال : « سنّة في الأنصار إذا حملوا الميت أن يقرءوا معه سورة البقرة » . ولقد أحسن من قال : زر والديك وقف على قبريهما * فكأنني بك قد حملت إليهما في أبيات يقول في آخرها : وقرأت من آي الكتاب بقدر ما * تستطيع وقد بعثت ذاك إليهما وإنما طولنا النّفس في هذا الباب ، لأن الشيخ الفقيه القاضي الإمام مفتي الأنام عبد العزيز بن عبد السلام رحمه اللّه ، كان يفتي بأنه لا يصل للميت ثواب ما يقرأ ، ويحتج بقوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] ؛ فلما توفي رحمه اللّه ، رآه بعض أصحابه ممن كان يجالسه وسأله عن ذلك ، فقال له : إنك كنت تقول : إنه لا يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ ويهدى إليه ، فكيف الأمر ؟ فقال له : إني كنت أقول ذلك في دار الدنيا ، والآن فقد رجعت عنه لما رأيت من كرم اللّه تعالى في ذلك ، وأنه يصل إليه ذلك « 2 » . * * *

--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 2 / 296 ) بإسناد ضعيف . ( 2 ) المنامات والرؤى لا تثبت أحكاما شرعية ، فضلا على أن تغيّرها .