القرطبي

101

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وسألت ، فلما كان في اليوم الثاني حدثتني امرأة تعرفها وتعرفني قالت لي : رأيت البارحة فلانة في النوم - تعني الميتة المذكورة - في مجلس حسن ، في دار حسنة ، وقد أخرجت لنا أطباقا من تحت سرير كان في البيت ، والأطباق مملوءة قوارير أنوار ، فقالت لي : هذا أهداه لي صاحب بيتي قال : وما كنت أعلمت بذلك أحدا . قال الشيخ المؤلف رحمه اللّه : وفي هذا المعنى حديث مرفوع من حديث أنس يأتي في باب « ما يتبع الميت إلى قبره » . وقد قيل : إن ثواب القراءة للقارئ ، وللميت ثواب الاستماع ، ولذلك تلحقه الرحمة . قال تعالى : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ الأعراف : 204 ] . قلت : ولا يبعد في كرم اللّه تعالى أن يلحقه ثواب القراءة والاستماع جميعا ، ويلحقه ثواب ما يهدى إليه من قراءة القرآن ، وإن لم يسمعه كالصدقة والدعاء والاستغفار لما ذكره ، ولأن القرآن دعاء واستغفار وتضرع وابتهال ، وما يتقرب المتقربون إلى اللّه تعالى بمثل القرآن . قال صلى اللّه عليه وسلم : يقول الرب تبارك وتعالى : « من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » . رواه الترمذي « 1 » ، وقال فيه : حديث حسن غريب . وقال عليه السلام : « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ؛ صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له » « 2 » . والقراءة في معنى الدعاء ، وذلك صدقة من الولد ، ومن الصاحب والصديق والمؤمنين ، حسب ما ذكرناه ، وباللّه التوفيق . فإن قيل : فقد قال اللّه تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] وهذا يدل على أنه لا ينفع أحدا عمل أحد . قيل له : هذه آية اختلف في تأويلها أهل التأويل . فروي عن ابن عباس : أنها منسوخة بقوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [ الطور : 21 ] ، فيجعل الولد الطفل يوم القيامة في ميزان أبيه ويشفع اللّه تعالى الآباء في الأبناء والأبناء في الآباء « 3 » . يدل على ذلك قوله تعالى : آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً [ النساء : 11 ] . وقال الربيع بن أنس :

--> ( 1 ) في « سننه » ( 2926 ) ، وهو حديث ضعيف ، انظر « ضعيف سنن الترمذي » رقم ( 562 ) و « السلسلة الضعيفة » ( 1335 ) . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 1631 ) . ( 3 ) قال ابن الجوزي في « نواسخ القرآن » ص 233 : « قلت : قول من قال : إن هذا نسخ ؛ غلط ، لأن الآيتين خبر ، والأخبار لا يدخلها النسخ ، ثم إن إلحاق الأبناء بالآباء إدخالهم في حكم الآباء بسبب إيمان الآباء ، فهم كالبعض تبع الجملة ، ذلك ليس لهم إنما فعله اللّه سبحانه بفضله ، وهذه الآية تثبت ما للإنسان ، إلا ما يتفضل به عليه » .