ابو المظفر الاسفرايني
29
التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين
وأسر جماعة منهم فيهم سراقة بن مرداس البارقي « 1 » فلما قدم إلى المختار اختار وقال : لم تهزمنا جندك ، ولا أسرنا قومك ، ولكن الملائكة الذين جاءوا لنصرتك ونصرة جندك هم الذين هزمونا ، فاعف عنا فإنا لم نعلم أنك على الحق ، والآن فقد علمناه ، فعليك أقسم بحق أولئك الملائكة الذين كانوا على أفراس بلق قائمين بنصرتك أن تعفو عنا . فعفا عنهم وعاد سراقة إلى جند مصعب ابن الزبير بالبصرة وأنشأ هذه الأبيات وبعث بها إلى المختار . ألا بلغ أبا إسحاق أنى * رأيت البلق دهما مصمتات أرى عيني ما لم ترأياه * كلانا عالم بالترهات كفرت بوحيكم وجعلت نذرا * عليّ قتالكم حتى الممات واعلم أن السبب الّذي جوزت الكيسانية البداء على اللّه تعالى . أن مصعب بن الزبير بعث إليه عسكرا قويا ، فبعث المختار إلى قتالهم أحمد بن شميط « 2 » مع ثلاثة آلاف من المقاتلة وقال لهم : أوحى إلى أن الظفر يكون لكم فهزم ابن شميط فيمن كان معه فعاد إليه فقال : اين الظفر الّذي قد وعدتنا ؟ فقال له المختار : هكذا كان قد وعدنى ثم بدا فإنه سبحانه وتعالى قد قال : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 3 » . ثم خرج المختار إلى قتال مصعب ورجع مهزوما إلى الكوفة فقتلوه بها . واعلم أن الكيسانية اختلفوا في حبس محمد بن الحنفية بجبل رضوى ، فمنهم من قال كان ذلك عقوبة له على خروجه بعد قتل الحسين بن علي إلى يزيد بن معاوية « 4 » وطلب الأمان منه ، وقبوله العطاء من قلبه ، وعلى أنه خرج من مكة في أيام ابن الزبير « 5 » وقصد عبد الملك بن مروان « 6 » ثم انصرف من الطريق وعدل إلى
--> ( 1 ) نسبة إلى جبل بارق باليمين بنزله الأزد فارس مشهور ، وشاعر معروف . ( 2 ) هو من قواد المختار قتله مصعب بن الزبير في موقعة سنة 67 ه . ( 3 ) سورة الرعد - 39 . ( 4 ) ذلك الظالم المعروف ولابن الجوزي رسالة في استنزال اللعنات عليه هلك سنة 64 ه . ( 5 ) هو عبد اللّه بن الزبير رضى اللّه عنه أحد العبادلة وهو أول مولود من المهاجرين بالمدينة بعد الهجرة مات بمكة شهيدا سنة 73 ه . ( 6 ) الملك الأموي المشهور هلك في شوال سنة 86 .