علي الأحمدي الميانجي

326

التبرك

« فإن قلت : قد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : من أحبّ أن يتمثّل له الناس أو الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار « 1 » . ونقل أنّه صلى الله عليه وآله كان يكره أن يقام له ، فكان إذا قدم لا يقومون لعلمهم كراهته ذلك ، فإذا فارقهم قاموا حتى يدخل منزله لما يلزمهم من تعظيمه . قلت : تمثل الرجال قياماً هو ما تصنعه الجبابرة من إلزامهم الناس بالقيام في حال قعودهم إلى أن ينقضي مجلسهم ؛ لا هذا القيام المخصوص القصير زمانه ، سلّمنا لكن يحمل على من أراد ذلك تجبّراً وعلواً على الناس ، فيؤاخذ من لا يقوم له بالعقوبة ، أما من يريده لدفع الإهانة عنه والنقيصة له فلا حرج عليه ؛ لأنّ دفع الضرر عن النفس واجب ، وأمّا كراهته صلى الله عليه وآله فتواضع للَّه عزّ وجلّ وتخفيف عن أصحابه ، وكذا ينبغي للمؤمن أن لا يحبّ وأن يؤاخذ نفسه بمحبّة تركه إذا مالت إليه ، ولأنّ الصحابة كانوا يقومون كما في الحديث ويبعد عدم علمه صلى الله عليه وآله بهم مع أنّ فعلهم يدلّ على تسويغ ذلك » « 2 » . إنّ هذا الإشكال الذي قد يخطر بالبال غير وارد ؛ لأنّ اللَّه سبحانه شرع على لسان نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله لكلّ من العالم والجاهل والكبير والصغير والجليل والحقير أحكاماً خاصّة بهم ، إذ مع أنّ جميعهم يشتركون في الإنسانية ، ولكن كلّ منهم له حكم خاص بحسب مكانته الاجتماعية أو العلمية أو السن ، وهذا التمايز موجود حتى في القوانين الجارية في المجتمعات الراقية أيضاً إن استطاعت عقولهم أن تدرك هذا الحدّ من حِكَمِ التشريع ، فالشارع الحكيم شرع للعالم والمسنّ أو ذي المقام ، التواضع وخفض الجناح وعدم حبّ الرئاسة ، وأن لا يحبّ قيام الناس له ، وأن يتزحزح ويعدّ نفسه كآحاد الناس والتخاضع لمن هو دونه وشرع للجاهل

--> ( 1 ) راجع الترمذي 5 : 91 الباب 13 من الأدب والبحار 16 : 240 . ( 2 ) مرآة العقول 9 : 80 والبحار 76 : 39 .