علي الأحمدي الميانجي

327

التبرك

والصغير تكريمه وتفخيمه وتوقيره ، فإذاً لا منافاة ولا مضادّة بين هذين الحكمين : يكره للمؤمن حبّ القيام له وأمر بالتواضع وترك الترأس ويستحبّ للآخرين تكريمه وتعظيمه . وهذا كما كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يتواضع لأي مسلم ويتخاضع ، وكأنّه أحدهم حتى قال سبحانه : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ « 1 » و وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ « 2 » و وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ « 3 » مع أنّ اللَّه عزّ وجلّ أدّب المؤمنين وقال : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً « 4 » و لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . . . لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ . . . وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ « 5 » . لقد أدّب اللَّه سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله بأحسن الأدب وأمره بأحسن الأخلاق ومكارمها ، وأمر الناس أيضاً بإكرامه وتبجيله وتعظيمه والنبي صلى الله عليه وآله أيضاً أدّب الناس كما أدّبه اللَّه بالتواضع والتخاضع وخفض الجناح والتعاطف والتراحم ورفض الكبر والترؤس في أنفسهم وبتكريم غيرهم وتعظيمه . هذا ، وأمّا قوله صلى الله عليه وآله : « لا تقوموا كما يقوم الأعاجم بعضهم لبعض » « 6 » فلعلّ النهي فيه عن قيام مخصوص وهو التمثّل قياماً كما يقوم الأعاجم لعظمائهم كما مرّ ، أو المراد نهيهم عن القيام له مطلقاً ، حذراً عمّا يأتي من الأمراء الفجرة بعده ، فيفعلون ما يفعله المتكبّرون ، ويصحّحونه بفعل الصحابة ويموهون على الناس بذلك .

--> ( 1 ) سورة الحجر / 88 . ( 2 ) سورة لقمان / 18 . ( 3 ) سورة آل عمران / 159 . ( 4 ) سورة النور / 63 . ( 5 ) سورة الحجرات / 1 - 2 . ( 6 ) البحار 16 : 240 ، والوسائل 8 : 560 وزاد : « ولا بأس أن يتخلخل عن مكانه » .