علي الأحمدي الميانجي

296

التبرك

ولعلّ منشأ القولين البعيدين هو أنّ القائلين لم يتعقّلا التتريب بمعناه الحقيقي وهو ذرّ التراب على المكتوب ، فأوّلا الحديث بجعل التتريب كناية عن التواضع في الكتاب ، كالتواضع في المقال ، أو التواضع في إعطاء الكتاب ، وكلاهما بعيد كما ذكره العلّامة المحقّق رضوان اللَّه عليه ، ولا مناص من حمله على معناه الحقيقي ، كما تشهد به ألفاظ الحديث ، حيث قال صلى الله عليه وآله : « فإنّ التراب مبارك » . وفي رواية أنّه رأى كتاباً مترّباً . فإنّهما صريحان فيما قلنا ، وقال في النهاية : وفيه أتربوا الكتاب ، فإنّه أنجح للحاجة « يقال : أتربت الشيء ؛ إذا جعلت عليه التراب . فالأمر بجعل التراب على الكتاب لعلّه إمّا حفظاً لما كان سنّة جارية عند العرب من التفؤّل بذلك ، أو لعلّه من قولهم : « تربت يداك » حيث يقال : تفؤّلًا بالخير ( على الخلاف في معناها كما في النهاية وأقرب الموارد ) ، أو كان ذلك للتواضع ، بمعنى أنّ الكتاب أقلّ من أن يؤثر في الإنجاح ، بل اللَّه هو المعطي والمانع ، أو هو تعبّد محض ، وإن كان ذلك بعيداً . ومنها : ما ورد في الاستشفاء بكتاب اللَّه العزيز ، وليس المراد من هذه الأحاديث الواردة : الاستشفاء بالعمل بكتاب اللَّه كما في قوله تعالى : وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ بل المراد : الاستشفاء بالتبرّك بآياته الكريمة بالقراءة والنفث أو الكتابة والتعليق . فالكتاب الكريم مبارك بأي نحوٍ استشفي به ، فمن عمل به فقد استشفى من الأمراض القلبية والمعنوية ، كما قال تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومن تبرّك به لدفع أمراضه الجسمية الظاهرية ، فقد استعاذ بكلام اللَّه المجيد ، واستشفى بكتابه العظيم ، فها نحن نذكر نبذاً من الأحاديث الدالّة على ذلك ، فمن أراد المزيد فعليه بمراجعة كتب الحديث في الأبواب المختلفة .