علي الأحمدي الميانجي
193
التبرك
أقول : قد نقلنا هذه الآثار ، لنبيّن مدى اهتمام المسلمين بالآثار النبوية خلفاً عن سلف ، وجيلًا بعد جيل ، وقرناً بعد قرن ، بحيث لا يبقى مجال للشكّ والريب . نظرة وتحقيق حول الأحاديث هذه الأحاديث واضحة الدلالة على جواز التبرّك ، بل رجحانه ، ولكن لتأكيد المطلب وإيضاحه نرى أن نعود إلى بيانها مرّة أخرى ، فنقول : دلالتها على المطلوب من وجوه : 1 - عمل النبي الكريم صلى الله عليه وآله يدلّ على المطلوب كعمله في تكفين ابنته ، وكذا في تكفين بعض الصحابة ، حيث كفّنهم ببعض ثيابه كقميصه وإزاره وردائه ، وأمر باشعار ثوبه للميّت كما في تكفين فاطمة بنت أسد أمّ أمير المؤمنين عليه السلام ، معلّلًا بقوله صلى الله عليه وآله : « إنّما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنّة » و « سألت اللَّه في صلاتي أن لا يبلي أكفانها » أي كفّنتها في قميصي لكي تنجو من الحشر هي عارية ، وبقوله صلى الله عليه وآله : « أمّا قميصي فأريد أن لا تمسّها النار أبداً إن شاء اللَّه تعالى » وفي تكفين عبد شمس بن الحارث قال : « سعيد أدركته السعادة » . عمله صلى الله عليه وآله بنفسه يكون طلباً لبركة ثوبه ، وبياناً لوجه البركة والفوائد المترتّبة عليها ، فلكلّ مسلم به صلى الله عليه وآله أسوة حسنة ، وكلّ مؤمن باللَّه تعالى وبنبيّه نبيّ الرحمة يريد أن يكسى من حلل الجنّة ، وأن لا تمسّه النار أبداً ، وأن لا يأتي عارياً يوم الحشر ، وأي وازع وأي مانع من تبرّك المسلم تأسّياً بنبيّه صلى الله عليه وآله وابتغاء لهذه البركات ؟ 2 - عمل الصحابة أيضاً يدلّ على ما ذكرنا ، حيث كانوا يحتفظون بملابسه وآثاره متباهين بذلك ، وطالبين للبركة ، ونستفيد طلبهم للبركة من حفظهم ومباهاتهم ، فكان علي عليه السلام يحفظ عمامته ، وكان عثمان وعبد اللَّه بن خازم يتعمّمان بها وطلب ابن عبد اللَّه بن أبيّ قميصه صلى الله عليه وآله ليكفّن أباه فيه ، أو طلبه عبد اللَّه نفسه ، وطلب