علي الأحمدي الميانجي
167
التبرك
« يا رسول اللَّه استسق لأمّتك » ، إذ لم يفرق بين موته وحياته ، فاستسقاه وطلب منه الدعاء ، ولعلّ على هذا الأصل تمسّك الإمام مالك في احتجاجه على الخليفة العبّاسي أبي جعفر بقوله : « يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد ، فإنّ اللَّه تعالى أدّب قوماً فقال : لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الآية ، وذمّ قوماً فقال : إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ الآية ، وإنّ حرمته ميّتاً كحرمته حيّاً ، فاستكان أبو جعفر » « 1 » وإن كان يحتمل أن يكون الاستدلال من جهة استفادة الحكم في حال الحياة من الآية الكريمة ، وتسريته إلى حال الموت من جهة قاعدة المساواة ، ولكن الذي يستفاد ممّا ذكرنا أنّ قاعدة المساواة مستفادة من إطلاق الآية ، كما فهمه الصحابة رضي اللَّه عنهم ، وفي فهمهم واستدلالهم كفاية . ومنها : أنّ أمّ المؤمنين عائشة أمرت المسلمين بالاستسقاء بالتوسّل بقبره الشريف ، فصار ذلك سنّة لأهل المدينة ، وبيّنت ذلك بأن يرفع الحائل بين القبر المبارك وبين السماء حتى ينزل المطر ، وفي رواية : أنّ عائشة هي التي فعلت ذلك . وعلى كلّ حال ، فقد صار ذلك سنّة لأهل المدينة في الاستسقاء إلى زمن الزين المراغي . وليس ذلك طلب دعاء من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حتى يكون استشفاعاً واستسقاء بالمعنى المتقدّم ، بل هو استسقاء بالقبر المبارك ، وجعله وسيلة إلى اللَّه تعالى ، كما في الرواية : « فإنّه رحمة تنزل على قبره » . وهذا قسم آخر من التوسّل والاستشفاع ، كان لكشف قبره أثر معنوي في شمول رحمة اللَّه تعالى ونزولها .
--> ( 1 ) وقال الإمام مالك في آخر كلامه : « وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى اللَّه تعالى يوم القيامة . بل استقبله واستشفع به فيشفعك اللَّه تعالى ، قال اللَّه تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وذيل كلامه يشهد بما ذكرنا من استفادة قاعدة المساواة بين حياته وموته من نفس الآية الكريمة .