علي الأحمدي الميانجي

168

التبرك

ولعلّ من هذا القبيل كان استشفاء ابن المنكدر أحد أعلام التابعين - حينما كان يصيبه الصمات ، حيث كان يضع خدّه على القبر الشريف ، وقد تقدّمت الإشارة في توضيح الأحاديث المتقدّمة إلى أن الراوي كان يطلب منه صلى الله عليه وآله الدعاء ، وهو صلى الله عليه وآله كان يمسح أو يتفل أو يبصق في الجرح أو المرض ، وفي هذا إشارة إلى أنّ شفاعة النبي صلى الله عليه وآله لا تنحصر في الدعاء والطلب منه سبحانه ، بل هنا قسم آخر ألطف وأدقّ وهو الاستشفاع بأثر أو عضو منه صلى الله عليه وآله . ويدلّ على ذلك قوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ « 1 » وقد وردت أحاديث كثيرة تدلّ على أنّ وجود رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أمان من العذاب ، وإن شئت الوقوف عليها فراجع الدرّ المنثور ، والطبري في تفسير الآية الكريمة . ومن هذا القبيل استشفاء أهل المدينة بتراب قبر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وكذا تراب قبر حمزة سيّد الشهداء رضوان اللَّه عليه وقبر صهيب كما تقدّم ويأتي ، وكذا استشفاء الصحابة رضي اللَّه عنهم بشعره وقدحه وغير ذلك كما سلف في ضمن الأحاديث المتقدّمة . ولا يمكن ردّ الآية الكريمة والأحاديث الكثيرة المتظافرة أو المتواترة بالأوهام والاستبعادات ، مع أنّ الاستبعاد ليس في محلّه كما تقدّم ، وسيأتي تفصيله في بيان جواز التوسّل مستقلًّا إن شاء اللَّه تعالى . ومنها : أنّ الصحابة رضي اللَّه عنهم كانوا يأخذون تراب القبر الشريف ويتبرّكون به ، حتّى صار ذلك سنّة فيهم ، وطريقاً مألوفاً لديهم ، حتى ضربت عليهم عائشة وسدّت الكوة ، ولكن لم يصرّح في الحديث بكيفية تبرّكهم هل كان بالحفظ عندهم فقط أو هو مع السجود عليه أو هما مع أكله للاستشفاء والتداوي ،

--> ( 1 ) الأنفال / 33 .