محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )
263
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة
إلى أن قال : « وأمّا الجسد الثاني فهو الجسد الباقي ، وهو الطينة التي خلق منها ويبقى في الأرض إذا أكلت الأرض الجسد العنصري وتفرّق كلّ جزء منه ولحق بأصله ، فالناريّة تلحق بالنار ، والهوائيّة تلحق بالهواء ، والمائيّة تلحق بالماء ، والترابيّة تلحق بالتراب ، يبقى مستديرا كما قال الصادق « 1 » . وقد قال عليّ عليه السّلام في النفس النامية النباتيّة : « فإذا فارقت عادت إلى ما منه بدئت ، عود ممازجة لا عود مجاورة » . وعنى بها هذا الجسد العنصري الذي ذكرنا . وأمّا الثاني الباقي هو الذي ذكره الصادق عليه السّلام : « تبقى طينته التي خلق منها في قبره مستديرة » « 2 » أي مترتّبة على هيئة صورته ، أجزاء رأسه في محلّ رأسه ، وأجزاء رقبته في محلّها ، وأجزاء صدره في محلّه ، وهو تأويل قوله تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ « 3 » . وهذا الجسد هو الإنسان الذي لا يزيد ولا ينقص ، يبقى في قبره بعد زوال الجسد العنصري عنه الذي هو الكثافة والأعراض ، فإذا زالت الأعراض عنه المسمّاة بالجسد العنصري لم تره الأبصار الحسيّة ؛ ولهذا إذا كان رميما وعدم لم يوجد شيء حتّى قال بعضهم : إنّه يعدم ، وليس كذلك وإنّما هو في قبره إلّا أنّه لم يره أبصار أهل الدنيا ؛ لما فيها من الكثافة ، فلا ترى إلّا من هو من نوعها . ولهذا مثّل به الصادق عليه السّلام بأنّه : « مثل سحالة الذهب في دكّان الصائغ » « 4 » ، يعني أنّ سحالة الذهب في دكّان الصائغ لم ترها الأبصار ، فإذا غسل التراب بالماء وصفّاه استخرجها ، كذلك هذا الجسد يبقى في قبره هكذا ، فإذا أراد اللّه - سبحانه - بعث الخلائق أمطر على كلّ الأرض ماء من بحر تحت العرش أبرد من الثلج ، ورائحته
--> ( 1 ) . « الكافي » 3 : 251 ، باب النوادر من كتاب الجنازة ، ح 7 ؛ « الفقيه » 1 : 121 ، ح 580 . ( 2 ) . المصدر السابق . ( 3 ) . الصافّات ( 37 ) : 164 . ( 4 ) . « الاحتجاج » 2 : 350 ؛ وعنه في « بحار الأنوار » 7 : 38 ، بهذا اللفظ : « فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء » .