محمد جعفر استر آبادى ( شريعتمدار )
510
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة
وبالجملة ، لا ريب في وجود تلك العناصر الأربعة تحت فلك القمر ، وإنّما الإشكال في وجود كرة النار . وعلى تقدير وجودها هل كانت هواء انقلبت نارا بحركة الفلك أو كانت في الأصل نارا ؟ والمشهور أنّ هذه الأربعة عناصر المركّبات التامّة وأسطقسّاتها ، ومنها تتركّب ، وإليها تنحلّ . وقيل : النار غير موجودة في المركّبات ؛ فإنّها لا تنزل عن الأثير إلّا بالقسر ، ولا قاسر هناك . ثمّ المشهور أنّ صور البسائط باقية في المركّبات . وقال الشيخ في « الشفاء » : لكنّ قوما اخترعوا في قريب من زماننا هذا مذهبا غريبا ، قالوا : إنّ البسائط إذا امتزجت وانفعل بعضها من بعض تأدّى ذلك بها إلى أن يخلع صورها ، فلا تكون لواحد منها صورته الخاصّة ، وليست حينئذ صورة خاصّة واحدة ، فتصير لها هيولى واحدة وصورة واحدة ، فمنهم من جعل تلك الصورة أمرا متوسّطا بين صورها . ومنهم من جعلها صورة أخرى من النوعيّات . واحتجّ على فساد هذا المذهب بوجوه تركناها . وذهب انكساغورس وأصحابه إلى الخلط والكمون والبروز وأنكروا التغيير في الكيفيّة والصورة ، وزعموا أنّ الأركان الأربعة لا يوجد شيء منها صرفا ، بل هي تختلط من تلك الطبائع النوعيّة كاللحم والعظم والعصب ، والتمر والعسل والعنب وغير ذلك . وإنّما سمّي بالغالب الظاهر منها ، ويعرض لها عند ملاقاة الغير أن يبرز منها ما كان كامنا فيها ، فيغلب ويظهر للحسّ بعد ما كان مغلوبا غائبا ، لا على أنّه حدث ، بل على أنّه برز ، ويكمن فيها ما كان بارزا ، فيصير مغلوبا وغائبا بعد ما كان غالبا وظاهرا . وبإزائهم قوم زعموا أنّ الظاهر ليس على سبيل البروز ، بل على سبيل النفوذ من غيره فيه كالماء مثلا ؛ فإنّه إنّما يتسخّن بنفوذ أجزاء ناريّة فيه من النار المجاورة له . وهذان القولان سخيفان . والمشهور عندهم أنّ العناصر يفعل بعضها في بعض ، فتستحيل في كيفيّاتها