الشيخ السبحاني

32

البداء في ضوء الكتاب والسنة

بلا جهة ولا سبب كما يقول اللّه تعالى - في زعمهم في بعض رواياتهم - : « خلقت هؤلاء للجنّة ولا أبالي وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي » « 1 » وقال سراقة بن جعشم : « يا رسول اللّه بيّن لنا ديننا كأنّا خلقنا الآن فيما العمل اليوم ؟ أفيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير ، أم فيما نستقبل ؟ قال : لا ، بل فيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير » « 2 » وهذه الأحاديث لو صحّت عن النبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) يجب - كما أسلفنا - تأويلها بحيث تجتمع مع البراهين العقليّة والآيات القرآنيّة ، وسائر الأحاديث والّا فكيف يمكن تصديق ظواهرها ، فانّ التقدير لو كان يجري في أفعاله ولا يحيد عنها قيد شعرة يستلزم حكومة القدر على مشيئته وإرادته واختياره ، وهو أعظم ظلم وتعدّ على ساحته وحقوقه فكلّ من قال بهذه المسألة يشمله قوله سبحانه : « يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا ، بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » ( المائدة - 64 ) إذ عندما يكون سبحانه محجورا عليه ممنوعا من التصرّف بما يشاء ، أزلا وأبدا وفي كلّ وقت يفترض فيه انّه قد حدث فيه التقدير ، فانّ القدر يكون سابقا عليه قبل ذلك ، فالقدر هو شريك اللّه في القدم ، ولأجل ذلك يصير القائل بهذا المعنى كالمجوس في الثنويّة وتعدد الآلهة . وفي الختام نقول : انّ المسلمين - تبعا للقرآن الكريم والأحاديث

--> ( 1 ) لاحظ كتاب بحوث مع أهل السنّة والسلفيّة ص 47 . ( 2 ) صحيح مسلم ، ج 8 ص 44 طبعة القاهرة صبيح وبشرح النووي ج 16 ص 196 .