الشيخ السبحاني
33
البداء في ضوء الكتاب والسنة
الشريفة الصحيحة - متّفقون على التقدير في أفعاله سبحانه ، وأفعال عباده غير انّه لا بدّ أن يفسّر القدر على وجه لا يعارض سلطانه سبحانه ، ولا يكون إلها ثانيا في مقابله كما لا يعارض حرّية الإنسان واختياره فيجعله مكتوف اليدين فعندئذ يكون توجيه الأمر والنهي إليه مثل حال من قيل في شأنه : ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له * إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء والظاهر من القرآن الكريم رسوخ عقيدة « الجبر » عند المشركين وقد حكى عنهم سبحانه قولهم بقوله : « وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ » ( النحل - 35 ) ، وبقوله سبحانه : « وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ » ( الأعراف - 28 ) فالظاهر انّ مرادهم بأمره سبحانه بها ، هو إرادته وقدره . والعجب انّ القرآن مع تنديده بالجبر بأشدّ اللحون والعبارات ، نرى انّ معاوية ومن في حزبه دعا إلى الجبر وتجديد عقيدة المشركين ، والغاية من ترويجه هو فرض حكومته على الناس وتصويرها بأنّها حكومة إلهيّة ، قد قضاها اللّه وقدّرها . والعجب من الذين يترحّمون عليه ويطلبون له الرضا من اللّه يقولون في حقّه : ولقد كان معاوية يعلن أثناء ولايته في عهد عثمان أنّ المال مال اللّه ، لا مال المسلمين ليحتجن هذه الأموال ويحتجزها لنفسه كما كان يستند في إقامة ملكه إلى ايديولوجيّة مستمدّة من نظريّة