الشيخ السبحاني
26
البداء في ضوء الكتاب والسنة
نرى انّه سبحانه مع انّه يعترف بنظام العليّة والمعلوليّة في الكون ، يصرّح بأنّ تأثير الشفعاء ( العلل الطبيعيّة ) يتحقّق بإرادته كما يقول : « ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ » ( يونس - 3 ) والمراد من الشفيع هو الوسيط المؤثّر من العلل التكوينيّة ، وهو بمعنى الشفع بمعنى الزوج فكأنّ نظام العليّة مؤثّر بالانضمام إلى إرادة اللّه سبحانه ومشيئته . ثمّ انّ بعض المفسّرين يطرحون عقيدة اليهود في مجال التشريع والتكوين في تفسير قوله : « بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ » ( المائدة - 64 ) غير انّ الآية واردة في سياق الانفاق والبذل ويتّضح ذلك إذا ألقينا نظرة إلى مجموع الآية إذ يقول سبحانه : « وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ » ( المائدة - 64 ) فعبارة « يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » تصريح بأمر آخر وهو مسألة الانفاق وانّ قولهم « يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » ناظر إلى غلق يديه في مقام الانفاق لا غيره ممّا يرجع إلى التشريع أو التكوين ، ويؤيد ذلك قولهم : « لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ » ( آل عمران - 181 ) ومع ذلك كلّه يمكن جعل قوله تعالى « يد اللّه مغلولة » مشيرا إلى عقيدتهم العامّة الكلّية حول اللّه تعالى ، وقوله : « ينفق كيف يشاء » رد على مورد خاص من تلك العقيدة الكلّية . ولأجل ذلك نرى انّ الإمام الصادق ( عليه السلام ) يفسّر الآية بقوله انّ ( اليهود ) : قالوا قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص ، فقال اللّه جلّ جلاله تكذيبا لقولهم : « غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ، وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ