الشيخ السبحاني

25

البداء في ضوء الكتاب والسنة

يقول : « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ » ( الرعد - 39 ) . وعلى ذلك فانّ اللّه سبحانه باسط اليدين في مجالي التكوين والتشريع ، يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء ، ويثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء ، لا يمنعه عن ذلك مانع . وما تتخيّله اليهود وما انتحلوه من انّ اللّه قد فرغ من الأمر وانتهى من الإيجاد والتكوين فصار مكتوف اليدين ، مسلوب القدرة ، إنّما هو أمر باطل تردّه البراهين الفلسفيّة ، والآيات القرآنيّة والأحاديث الصحيحة . فهذا هو القرآن الكريم يصرّح بكونه « كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ » ( الرحمن - 29 ) وانّه كما يقول سبحانه عن نفسه : « أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » ( الأعراف - 54 ) والآية مطلقة غير مقيّدة بزمان دون زمان . ولأجل ذلك ينسب إلى نفسه كلّ ما يرجع إلى الخلق والإيجاد في كثير من الآيات ، ويبيّن ذلك بصيغ فعليّة استقباليّة دالّة على الاستمرار ، وناصّة على انّ الفيض والخلق والايجاد والتدبير بعد مستمر . يقول سبحانه : « أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ » ( النور - 43 ) فالأفعال المتعدّدة الواردة في هذه الآية أعني قوله : « يزجي ، ويؤلّف ، ويجعل ، ويخرج ، وينزّل » يكشف عن كونه كل يوم هو في شأن ، وانّ أمر الخلق والإيجاد والتصرّف بعد مستمرّ ولم يفرغ سبحانه عن ذلك ، كما تدّعيه اليهود .