الشيخ السبحاني
79
بحوث في الملل والنحل
منه قال : « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ » ( الأنعام - 124 ) فلم يزل اللَّه يتناسخ خيرته حتى خرج محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أفضل تربة وأطهر عترة أُخرجت للناس ، فلمّا قبض اللَّه محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم ولا عارف أمخركم « 1 » بعد زخورها وحصّن حصونكم بعد منعتها وافتخرت قريش على سائر الأحياء بأنّ محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان قريشياً ، ودانت العجم للعرب بأنّ محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان عربياً حتى ظهرت الكلمة وتمت النعمة فاتّقوا اللَّه عباد اللَّه وأجيبوا إلى الحقّ وكونوا أعواناً لمن دعاكم إليه ، ولا تأخذوا سنّة بني إسرائيل ، كذَّبوا أنبياءهم ، وقتلوا أهل بيت نبيهم . ثمّ أنا أُذكركم أيّها السامعون لدعوتنا ، المتفهّمون لمقالتنا ، باللَّه العظيم الذي لم يذكر المذكورون بمثله ، إذا ذكروه وجلت قلوبكم واقشعرَّت لذلك جلودكم ، ألستم تعلمون أنّا ولد نبيكم المظلومون المقهورون ، فلا سهم وُفينا ، ولا تراث أُعطينا ، وما زالت بيوتاً تهدم وحرمتنا تنتهك وقائلنا يعرف ، يولد مولودنا في الخوف ، وينشأ ناشئنا بالقهر ويموت ميّتنا بالذل ؟ ويحكم إنّ اللَّه قد فرض عليكم جهاد أهل البغي والعدوان من أُمتكم على بغيهم ، وفرض نصرة أوليائه الداعين إلى اللَّه وإلى كتابه قال : « وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ » ( الحجّ - 40 ) . ويحكم إنّا قوم غَضِبْنا للَّه ربّنا ، ونقمنا الجور المعمول به في أهل ملتنا ، ووضعنا من توارث الإمامة والخلافة ، وحكم بالهوى ونقض العهد ، وصلّى الصلاة لغير وقتها ، وأخذ الزكاة من غير وجهها ودفعها إلى غير أهلها ، ونسك المناسك بغير هديها ، وأزال الأفياء والأخماس والغنائم ومنعها الفقراء والمساكين وابن السبيل ، وعطّل الحدود وأخذ منه الجزيل ، وحكم بالرشا والشفاعات والمنازل ، وقرب الفاسقين ومثل بالصالحين ، واستعمل الخيانة وخوّن أهل الأمانة ،
--> ( 1 ) . وفي نسخة : أنجزكم .