الشيخ السبحاني

286

بحوث في الملل والنحل

2 - ويقول في خطبة أُخرى : « يا أهل الكوفة منيت بكم بثلاث واثنتين ، صمّ ذو أسماع ، وبكم ذو كلام ، وعمي ذو أبصار ، لا أحرار صدقٍ عند اللقاء ، ولا إخوان ثقة عند البلاء . . . لوددت واللَّه أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلًا منهم » « 1 » . فإذا كان المبايعون هؤلاء الذين وصفهم جدّه بعدم الثبات والصدق عند اللقاء ، فكيف يصح له أن يعتمد على بيعتهم ويطلب الإمارة ؟ ! والكوفة وإن أنجبت أبطالًا شهاماً كتبوا على جبين الدهر بطولاتهم وصدق مواقفهم في ميادين الحرب ، ولكن كانت الكوفة تحتضن موالي أتوا من هنا وهناك وتوطّنوا فيها ، وكان العرب المتوطِّنون فيها وافدين من نقاط شتّى وقبائل مختلفة لا تجمعهم فكرة واحدة وثقافة فريدة ، وقد مصّرت الكوفة أيام عمر بن الخطاب ولم تكن قبل ذلك حاضرة ، وهي بخلاف الشام فقد ضربت فيها حضارة عريقة بجرانها قبل قرون ، وكانت تسوسهم الوحدة الحضارية والعنصرية والتربية المدنية والدينية قبل الإسلام ، فاستغلال هذه المنطقة بما لها من المواصفات أسهل من استغلال هؤلاء الذين لا يربطهم سوى شيء واحد وهو التوطّن في أرض الكوفة وما والاها . وإن كنت في شكّ ممّا ذكرنا من هؤلاء فقارن عدد المبايعين لزيد وعدد الحاضرين في ساحة المعركة ، فقد أقام زيد بالكوفة خمسة أشهر وبالبصرة شهرين ، فأخذ الناس يبايعونه من الشيعة والمحكِّمة وبلغ ديوانه خمسة وعشرين ألفاً أو أزيد كما سيوافيك ، ولكن لم يحضر منهم في ميدان القتال إلّا مائتان وثمانية عشر رجلًا ، ولمّا وقف زيد على قلّة المجيبين ، قال : سبحانه اللَّه أين الناس ؟ فقيل : إنّهم محصورون في المسجد ، فقال زيد : سبحان اللَّه ما هذا عذر لمن بايعنا . كل ذلك يدلنا على أنّ زيداً قام بالأمر وهو موطن نفسه على الشهادة وإراقة

--> ( 1 ) . نهج البلاغة : الخطبة : 97 .