الشيخ السبحاني
251
بحوث في الملل والنحل
آلاف . فأقام بالنخيلة ثلاثاً يبعث إلى من تخلف عنه فخرج إليه نحو من ألف رجل . ثمّ قام سليمان في أصحابه فقال : أيّها الناس من كان خرج ، يريد بخروجه وجه اللَّه والآخرة فذلك منّا ، ونحن منه ، ومن كان يريد الدنيا فوالله ما نأتي فيئاً نأخذه وغنيمة نغنمها ما خلا رضوان اللَّه . فتنادى أصحابه من كل جانب : إنّا لا نطلب الدّنيا وإنّما خرجنا نطلب التوبة والطلب بدم ابن بنت رسول اللَّه نبينا صلى الله عليه وآله وسلم . فسار سليمان عشية يوم الجمعة لخمس مضين من ربيع الآخر سنة خمس وستين فوصل دار الأهواز ، ثمّ ساروا فانتهوا إلى قبر الحسين فلمّا دخلوا صاحوا صيحة واحدة فما رئي أكثر باكياً من ذلك اليوم فترحموا عليه وتابوا عنده من خذلانه ، وترك القتال معه ، وأقاموا عنده يوماً وليلة يبكون ويتضرعون ويترحمون عليه وعلى أصحابه ، وكان قولهم عند ضريحه : « اللّهمّ ارحم حسيناً الشهيد ابن الشهيد المهدي ابن المهدي ، الصديق ابن الصديق ، اللّهمّ إنّا نشهدك إنّا على دينهم وسبيلهم وأعداء قاتليهم ، وأولياء محبيهم . اللّهمّ إنّا خذلنا ابن بنت نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فاغفر لنا ما مضى ، منّا وتب علينا وارحم حسيناً وأصحابه الشهداء الصديقين وإنّا نشهدك أنّا على دينهم ، وعلى ما قتلوا عليه . وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين . وزادهم النظر إليه حنقاً . ثمّ ساروا بعد أن كان الرجل يعود إلى ضريحه كالمودع له ، فازدحم الناس عليه أكثر من ازدحامهم على الحجر الأسود ، ثمّ أخذوا على الأنبار وكتب إليهم عبد اللَّه بن يزيد كتاباً يثبطّهم عن السير إلى الشام وقتال العدو ولما وصل الكتاب إلى سليمان قرأه على أصحابه ، فكتب إليه جواباً - بعد أن شكره وأثنى عليه - : أنّ القوم قد استبشروا ببيعهم أنفسهم من ربّهم ، وأنّهم قد تابوا من عظيم ذنبهم وتوجهوا إلى اللَّه وتوكلوا عليه ورضوا بما قضى اللَّه عليهم .