الشيخ السبحاني
92
بحوث في الملل والنحل
وهذا يعرب عن أنّ وجه اتّصاف خضوعهم بالعبادة ودعائهم لها ، هو اعتقادهم بأنّهم أرباب يملكون ما ينفع في حياتهم عاجلًا أو آجلًا ، ويؤيد ذلك ما كانوا يردّدون في ألسنتهم حين الطواف والسعي ويقولون : لبّيك اللّهمّ لبّيك ، لبّيك لا شريك لك إلّا شريك هو لك ، تملكه وما ملك . وأما الثالث : وهو الاعتقاد بكون المخضوع له مستقلًا إمّا في ذاته وفعله ، أو في فعله فقط ، فترى الإلماع إليه في غير موضع من كتاب اللّه العزيز ، وهو توصيفه سبحانه بالقيوم ، قال سبحانه : « اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ » « 1 » ، وقال : « وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ » « 2 » . والمراد منه هو الموجود القائم بنفسه ، ليس فيه شائبة من الفقر والحاجة ، وأنّ كل ما سواه قائم به ، ومن المعلوم أنّ القائم بنفسه والغني في ذاته ، غني في فعله عن غيره ، فلو استغثنا بأحد باعتقاد أنه يملك كشف الضر عنّا فقد طلبنا فعل اللّه سبحانه من غيره ، لأنه تعالى وحده الّذي يملك كشف الضر لا غيره ، والغني في الفعل هو اللّه سبحانه ، فلو أقمنا موجوداً آخر مكان اللّه سبحانه في مجال الإيجاد ، وزعمنا أنه يخلق ويرزق ويدبّر الأُمور ، أو أنه يغفر الذنوب ويقضي الحاجات من عند نفسه ، أو بتفويض من اللّه سبحانه واعتزاله عن الساحة ، فقد وصفناه بالربوبية أولًا ( التعريف الثاني ) ، ولو زعمنا أنه قائم بنفس الفعل الّذي يقوم به سبحانه ثانياً ، فكأنّنا أعطينا غيره صفة من صفاته سبحانه ، وهي القيومية ولو في مجال الإيجاد ( التعريف الثالث ) .
--> ( 1 ) . البقرة : 255 . ( 2 ) . طه : 111 .