الشيخ السبحاني
93
بحوث في الملل والنحل
هذا وللتفويض شؤون واسعة : منها تفويض اللّه تدبير العالم إلى خيار عباده من الملائكة والأنبياء والأولياء ، ويسمّى بالتفويض التكويني . ومنها تفويض الشؤون الإلهية إلى عباده كالتقنين والتشريع والمغفرة والشفاعة ، ويسمّى بالتفويض التشريعي . وهذا هو الذكر الحكيم يصف أهل الكتاب بأنهم اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّه يقول : « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ » « 1 » . إنّ أهل الكتاب لم يعبدوهم من طريق الصلاة والصوم لهم ، وإنّما أشركوهم في تفويض أمر التشريع والتقنين إليهم ، وزعموا أنهم يملكون شأناً من شؤونه سبحانه . قال الإمام الصادق عليه السلام : « واللّه ما صَامُوا لَهُم ، وَلَا صَلُّوا لَهُم ، وَلَكِن أحَلُّوا حراماً وَحَرّموا عَلَيْهِم حَلَالًا فاتّبعوهم » « 2 » . روى الثعلبي في تفسيره : عن عدي بن حاتم قال : أتيت رسول اللّه وفي عنقي صليب من ذهب ، فقال لي : « يا عدي ، اطرح هذا الربق من عنقك » قال : فطرحته ، ثمّ انتهيت إليه وهو يقرأ هذه الآية : « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً » حتّى فرغ منها ، فقلت : إنّا لسنا نعبدهم ، فقال : أليس
--> ( 1 ) . التوبة : 31 . ( 2 ) . الكافي : 1 / 53 .