الشيخ السبحاني
75
بحوث في الملل والنحل
ومن عجيب أمر هذا الرجل أنّه إذا ابتدع شيئاً حكى عليه إجماع الأوّلين والآخرين كذباً وزوراً ، وربما تجد تناقضه في الصفحة الواحدة ، فتجده في منهاجه مثلًا يدّعي أنّه ما من حادث إلّا وقبله حادث إلى ما لا نهاية له في جانب الماضي ، ثمّ يقول : وعلى ذلك أجمع الصحابة والتابعون . وبعد قليل يحكي اختلافاً لحق الصحابة في أول مخلوق ما هو ؟ أهو القلم أم الماء ؟ وبينما تراه يتكلّم بلسان أهل الحق المنزهين ، إذا بك تراه قد انقلب جهوياً « 1 » ، وسمّى كل من لا يقول بذلك معطّلًا ، وزنديقاً ، وكافراً ، وقد جمع تلميذه « ابن زفيل » سفاهاته ووساوسه في علم أُصول الدين ، في قصيدته النونية ، وبينما تراه يسب جهماً والجهمية ، إذا بك تراه يأخذ بقوله في أنّ النار تفنى ، وأنّ أهلها ليسوا خالدين فيها أبداً - إلى أن قال - : وليس من غرضنا بسط الكلام في بدع هذا الرجل ، فقد كفانا العلماء - شكر اللّه سعيهم - من عصره إلى هذا العهد ، المؤنة بالتصانيف الممتعة في الرد عليها ، ولكن رفع الجهل رأسه في عصرنا هذا ، وانتدب ناس من شيعته لطبع الكثير من كتبه وكتب تلميذه ابن زفيل ، ففضحوا الرجل وشهّروا به عند المحقّقين من أهل الفقه في الدين ، وتبيّنت صحّة نسبة ما كان يتورع العلماء عن نسبته إليه ، وإنّ نصيحتي الّتي أسديها لكن مسلم نصيحة للّه ولرسوله ولكتابه وأئمة المسلمين وعامتهم ، هي لزوم جماعة المسلمين في أُصول الدين وفروعه ، ولولا أنّي أشفق على القارئ أن يملّ لتحدّثت إليه طويلًا فيما
--> ( 1 ) . كذا في النسخة ولعل المراد : « جهمياً » . أو لعل المراد : نسبته إلى من يقول في اللّه بالجهة .