الشيخ السبحاني
72
بحوث في الملل والنحل
قاله ، فأُدّب وحُمل على جملٍ ، ثمّ أُعيد إلى السجن ، ثمّ أُحضر إلى مجلس شمس الدين المالكي وأرادوا ضرب عنقه ، فما كان جوابه إلّا أن قال : إنّ القاضي الحنبلي حكم بحقن دمي وبإسلامي وقبول توبتي ، فأُعيد إلى الحبس إلى أن أُحضر الحنبلي فأخبر بما قاله ، فأُحضر وعزّر وضرب بالدرة ، وأُركب حماراً وطيف به في البلد والصالحية ، وردّوه إلى الحبس - وجرسوا ابن القيم وابن كثير ، وطيف بهما في البلد وعلى باب الجوزية لفتواهم في مسألة الطلاق . قال ابن رجب : قد امتحن وأُوذي مرات ، وحبس مع الشيخ تقي الدين في المدة الأخيرة بالقلعة منفرداً ، لم يفرج عنه إلّا بعد موت الشيخ . وقد سقت هنا نماذج من كلمات أصحابه وأضداده والمتحايدين في حقه ، ليعتبر بها المغرورون به . على أنّ الخبر اليقين فيما يجده القارئ الكريم في حقه في هذا الكتاب ، وأرجو أن الحق لا يتعدى ما دللت عليه في حقّه فيما كتبناه . وأحق الناس بالرثاء وأجدرهم بالترحّم من أفنى عمره في سبيل العلم منصاعاً لمبتدع يرديه من غير أن يتخيّر أُستاذاً رشيداً يهديه ، ومثله إذا دوّن أسفاراً لا يزداد بها بعداً عن اللّه وأوزاراً ، وهو الّذي يصبح متفانياً في شيخه الزائغ بحيث لا يسمع إلّا بسمعه ولا يبصر إلّا ببصره في جميع شؤونه ، ويبقى في أحط دركات الجهل من التقليد الأعمى ، ولو فكر قليلًا لكان أدرك أنّ من السخف بمكان ، وضعه لشيخه في إحدى كفّتي الميزان ليوازن به جميع العلماء والفقهاء من هذه الأُمة في كفته الأُخرى فيزنهم ويغالبهم به