الشيخ السبحاني

38

بحوث في الملل والنحل

الحقوق والسياسة والاقتصاد أو الاجتماع ، أو ألف جامعاً حديثياً يكون هو المرجع للمسلمين كما قام بعض معاصريه بهذا الأمر ، فلم يبق منه إلّا التركيز على المسائل الّتي قدمنا رءوسها والّتي كفّر بها مخالفيه ، وبالتالي كفّر جمهور المسلمين الذين عاشوا طيلة سبعة قرون . هب أنّه قدم إلى المسلمين دراسات توحيدية ، ولكن ما كانت نتيجة تلك الدراسات ، فغاية ما أنجز وأتى - بعد ما تصوب وتصعد - أنّه يجب توصيفه سبحانه بنفس الصفات الخبرية بمعناها اللغوي ، فصار معناه هو التجسيم والتشبيه وإثبات الجهة والفوقية للّه سبحانه ، وقد فهم الكل هذا المعنى من دراساته . هب أنّه لم يقصد من إثبات هذه الصفات ما نسب إليه من الجسمية ، ولكنّه صبّ ما رآه في قوالب أذْعَنَ الكُلُّ - الداني منهم والنائي - بأنّه مُجسّم مشبّه مُثْبت للّه سبحانه الجهة والفوقية ، مع أنّه سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ، وأنَّهُ ليس كمثله شيء . ما معنى هذه الدراسات العميقة الّتي لم تورث إلّا هذه الأفكار الباطلة ، وسوف يوافيك أنّ الرجل مجسّم وإن كان لا يتفوه به ، ولكن جُمَلَهُ وألفاظه وعباراته وما أصرّ عليه لا تنتج إلّا ذلك . وقس عليه سائر إنجازاته من جانب المعنى ، فقد منع شدّ الرحال إلى زيارة النبي الأكرم ، مع أنّ قبور الأنبياء لم تزل تزار من عصر النبي وقبله وبعده ، وليست الغاية من زيارتهم إلّا التوقير والتكريم وعقد الميثاق مع ما جاءوا به من أُسس التوحيد ، فكيف يكون ذلك ذريعة إلى الشرك ؟