الشيخ السبحاني

233

بحوث في الملل والنحل

وروي أيضاً عن عبد اللّه بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « من حجّ فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي » . والثاني صريح في جواز السفر ، والأوّل مطلق يعمّ المسافر والمقيم في المدينة ، وستوافيك هذه النصوص عن أعلام المحدّثين . وأمّا فعله ، فقد روي عن طلحة بن عبد اللّه قال : خرجنا مع رسول اللّه يريد قبور الشهداء - إلى أن قال - : فلمّا جئنا قبور الشهداء ، قال : هذه قبور إخواننا . « 1 » الثاني : الإجماع ، لإطباق السلف والخلف ، لأنّ الناس لم يزالوا في كل عام إذا قضوا الحج يتوجّهون إلى زيارته صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن منهم من يفعل ذلك قبل الحج . قال السبكي : هكذا شاهدناه ، وشاهده من قبلنا وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة ، وكلّهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه وإن لم يكن طريقهم ، ويقطعون فيه مسافة بعيدة ، وينفقون فيه الأموال ، ويبذلون فيه المهج ، معتقدين أنّ ذلك قربة وطاعة ، وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرض ومغاربها على مرّ السنين وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم ، يستحيل أن يكون خطأ ، وكلهم يفعلون ذلك على وجه التقرب به إلى اللّه عزّ وجلّ ، ومن تأخّر فإنّما يتأخّر بعجز أو تعويق المقادير مع تأسّفه عليه ، وودّ لو تيسّر له ، ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمع على خطأ فهو المخطئ .

--> ( 1 ) . أخرجه أبو داود في سننه : 1 / 311 ، والبيهقي في السنن الكبرى : 5 / 249 . والمراد من الشهداء شهداء أُحد ، كما هو مورد الحديث .