الشيخ السبحاني
234
بحوث في الملل والنحل
وما ربّما يقال من أنّ سفرهم إلى المدينة لأجل قصد عبادة أُخرى وهي الصلاة في المسجد ، باطل جداً . فإنّ المنازعة فيما يقصده الناس مكابرة في أمر البديهة ، فمن عرف الناس أنهم يقصدون بسفرهم الزيارة من حين يعرجون إلى طريق المدينة ، ولا يخطر غير الزيارة من القربات إلّا ببال قليل منهم ، ولهذا قلّ القاصدون إلى بيت المقدس مع تيسّر إتيانه ، وإن كان في الصلاة فيه من الفضل ما قد عرفت ، فالمقصود الأعظم في المدينة ، كما أنّ المقصود الأعظم في مكة ، الحج أو العمرة ، وصاحب هذا السؤال إن شك في نفسه فليسأل كلّ من توجّه إلى المدينة ما قصد بذلك . « 1 » الثالث : إنّه إذا كانت الزيارة قربة وأمراً مستحباً على الوجه العام والخاص ، فالسفر وسيلة القربة ، والوسائل معتبرة بالمقاصد ، فيجوز قطعاً . الرابع : ما نقله المؤرّخون عن بعض الصحابة والتابعين . 1 - قال ابن عساكر في ترجمة بلال : إنّ بلالًا رأى في منامه رسول اللّه وهو يقول له : ما هذه الجفوة يا بلال ، أما آن لك أن تزورني يا بلال ؟ فانتبه حزيناً ، وجلًا ، خائفاً ، فركب راحلته وقصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه ، فأقبل الحسن والحسين - رضي اللّه عنهما - فجعل يضمّهما ويقبّلهما ، فقالا له : نشتهي نسمع أذانك الّذي كنت تؤذن به لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ففعل ، فعلا سطح المسجد ، فوقف موقفه الّذي كان يقف فيه ، فلمّا أن قال : « اللّه أكبر ، اللّه أكبر » ارتجّت المدينة ، فلمّا أن قال :
--> ( 1 ) . شفاء السقام ، في زيارة خير الأنام : 85 - 86 ط بولاق مصر .