الشيخ السبحاني
209
بحوث في الملل والنحل
محمد أبو زهرة حيث لم يستطع أن يستر الحقيقة ، فقال : « ولا تتسع عقولنا لإدراك الجمع بين الإشارة الحسية بالأصابع والإقرار بأنّه في السماء ، وأنّه يستوي على العرش ، وبين تنزيهه المطلق عن الجسمية والمشابهة للحوادث . وإنّ التأويل ( حملها على المجاز والكناية ) بلا شكّ في هذا يقرب العقيدة إلى المدارك البشرية ، ولا يصح أن يكلف الناس ما لا يطيقون ، وإذا كان ابن تيمية قد اتّسع عقله للجمع بين الإشارة الحسّية وعدم الحلول في مكان والتنزيه المطلق ، فعقول الناس لا تصل إلى سعة أُفقه إن كان كلامه مستقيماً » « 1 » . ويقول أيضاً : « ومهما حاولوا نفي التشبيه فإنّه لاصق بهم ، فإذا جاء ابن تيمية من بعدهم بأكثر من قرن فقال : « إنّه اشتراك في الاسم لا في الحقيقة » فإن فسّروا الاستواء بظاهر اللفظ فإنه الإقعاد والجلوس ، والجسمية لازمة لا محالة ، وإن فسروه بغير المحسوس فهو تأويل ، وقد وقعوا فيما نهوا عنه ، وفي الحالين قد خالفوا التوقّف الّذي سلكه السلف » . « 2 » أقول : ليس ابن تيمية فريداً في هذا الباب ، بل المذهب الّذي أرسى قواعده شيخه ابن حنبل من التعبّد بالظواهر بحرفيتها ومعانيها التصورية لا ينفك عن التجسيم والتشبيه ، ومهما حاولوا الفرار عنه وقعوا فيه من حيث لا يشعرون . نعم حاول ابن الجوزي أن يدافع عن أُستاذ مذهبه فوجّه اللوم إلى تلاميذه ، فقال : « رأيت من أصحابنا من تكلم في الأُصول بما لا يصلح ،
--> ( 1 ) . ابن تيمية ، حياته وعصره : 270 . ( 2 ) . ابن تيمية حياته وعصره : 272 - 273 .