الشيخ السبحاني
208
بحوث في الملل والنحل
لنا إلّا اختيار أحد الأمرين : الأخذ بالمفاهيم اللغوية بلا تأويل ومرجعه إلى التجسيم ، أو الإمعان في الآيات والآثار الصحيحة وتفسيرها حسب الدلالة التصديقية ، بالمعاني الكنائية أو المجازية أو غير ذلك . وأمّا ما ادّعاه من أنّ ما ذكره نفس معتقد السلف فقد أجاب عنه العلامة الشيخ سلامة القضاعي العزامي الشافعي ( المتوفّى 1379 ه ) قال : « إذا سمعت في بعض عبارات بعض السلف : إنّما نؤمن بأنّ له وجهاً لا كالوجوه ، ويداً لا كالأيدي ، فلا تظن أنّهم أرادوا أنّ ذاته العلية منقسمة إلى أجزاء وأبعاض ، فجزء منها يد وجزء منه وجه ، غير أنّه لا يشابه الأيدي والوجوه الّتي للخلق . حاشاهم من ذلك ، وما هذا إلّا التشبيه بعينه ، وإنما أرادوا بذلك أنّ لفظ الوجه واليد قد استعمل في معنى من المعاني وصفة من الصفات الّتي تليق بالذات العلية ، كالعظمة والقدرة ، غير أنّهم يتورّعون عن تعيين تلك الصفة تهيباً من التهجّم على ذلك المقام الأقدس ، وانتهز المجسمة والمشبهة مثل هذه العبارة فغرروا بها العوام ، وخدعوا بها الأغمار من الناس ، وحملوها على الأجزاء فوقعوا في حقيقة التجسيم والتشبيه ، وتبرءوا من اسمه ، وليس يخفى نقدهم المزيف على صيارفة العلماء وجهابذة الحكماء » . « 1 » وقد صرّح بما ذكرنا - الأخذ بالمفاهيم اللغوية يلازم الجهة والتجسيم - ناصر ابن تيمية في جميع المواقف ( إلّا في موقف أو موقفين ) الشيخ
--> ( 1 ) . فرقان القرآن : 80 - 81 .