الشيخ السبحاني
177
بحوث في الملل والنحل
تجلّيات أُخرى لمنح السببية والفاعلية لقد تعلّقت الإرادة الإلهية بأن تصدر الظواهر من عللها وأسبابها الطبيعية ، ولكن قد يحدث - ولمصالح ما تقتضي ذلك - أن تصدر الظاهرة من غير مجراها الطبيعي ، وذلك فيما إذا أراد الأنبياء عليهم السلام إثبات أو تأكيد ارتباطهم بالسماء . فحينئذٍ تقع على أيديهم ما يصطلح عليه عنوان « المعجزة » . ولا ريب أنّ معاجز الأنبياء - وبلا استثناء - تسير من خلال هذا الطريق ، فمن المسلّم أنّ تحوّل العصا إلى ثعبان مبين ، وانفلاق البحر بضربه بالعصا ، أو إعادة البصر إلى الأكمه وشفاء الأمراض المستعصية و . . . كلّ ذلك في الواقع وليد عوامل وأسباب غير طبيعية ، ولسنا هنا في صدد بيان ماهيتها . يتّضح من خلال هذا البيان انّ الفيض الإلهي يصب على الإنسان في الأعم الأغلب من خلال الأسباب والعلل الطبيعية ، ولكن قد يصب ذلك الفيض في بعض الأحيان من غير مجراه الطبيعي ، وهذا ما يطلق عليه عنوان « المعجزة » ، وهذا فيما إذا كان الفاعل بصدد إثبات صدقه في ادّعاء النبوة وارتباطه بالسماء وعالم الغيب ، أمّا إذا لم يكن الفعل مقترناً بدعوى النبوة فحينئذٍ يكون من قبيل « الكرامة » .