الشيخ السبحاني

13

بحوث في الملل والنحل

الناس يخطبهم ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال : « أيّها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق ، واللّه ما علمت منهم إلّا خيراً ، ويقولون ذلك الرجل ، واللّه ما علمت منه إلّا خيراً ، وما يدخل بيتاً من بيوتي إلّا وهو معي » . وكان كبر ذلك الإفك عند عبد اللّه بن أُبي بن سلول في رجال من الخزرج . فلمّا قال رسول اللّه تلك المقالة ، قال « أسيد بن حضير » وكان أوسياً : يا رسول اللّه ! إن يكونوا من الأوس نكفكهم ، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك ، فوالله إنّهم لأهل أن تضرب أعناقهم ، فقال سعد بن عبادة - وكان خزرجياً - : كذبت لعمر اللّه لا تضرب أعناقهم ، أما واللّه ما قلت هذه المقالة إلّا أنّك قد عرفت أنّهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا . فقال أسيد : ولكنّك منافق تجادل عن المنافقين . وعندئذٍ تساور الناس حتّى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شرّ . وفي لفظ البخاري : فصار الحيّان الأوس والخزرج حتّى همُّوا أن يَقْتَتِلوا ورسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قائم على المنبر ، فلم يزل يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت . « 1 » هذه نماذج من مواقف النبي الأعظم حيال الخلافات الّتي كانت تنشب أحياناً بين أُمّته ، وهو صلى الله عليه وآله وسلم كان يصنع من الخلاف وئاماً ، ومن النزاع وفاقاً ، ويدفع الشر بقيادته الحكيمة ، وما هذا إلّا لأنّ صرح الإسلام قائم على كلمتين : كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة . وهذا صنو النبي الأكرم ووصيّه وخليفته - إذ حرم من حقّه المشروع ،

--> ( 1 ) . السيرة النبوية : 3 / 312 - 313 ؛ صحيح البخاري : 5 / 119 ، باب غزوة بني المصطلق .