الشيخ السبحاني
14
بحوث في الملل والنحل
وبدّلت الخلافة التنصيصية إلى تداول الخلافة بين تيم وعدي ، ثمّ إلى أُمية - قد بقي حليف بيته وأليف كتاب اللّه ، وهو يرى المفضول يمارس الخلافة مع وجود الفاضل ، بل يرى تراثه نهباً ، ومع ذلك كله لم ينبس ببنت شفة إلّا في موارد خاصة ، حفظاً للوفاق والوئام ، وهو عليه السلام يشرح لنا تلك الواقعة بقوله : « فوالله ما كان يُلْقَى في رُوعي ، وَلا يَخْطُرُ ببالي ، أنّ العَرَبَ تُزعِجُ هَذَا الأَمرَ مِنْ بَعْدِهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ أهْل بَيتِهِ ، وَلا أنّهُمْ مُنَحُّوهُ عنّي مِنْ بَعْدِهِ ، فما رَاعَني إلّا انثيالُ الناسِ على فُلانٍ يُبَايِعُونَهُ فَأمْسَكْتُ يدي حتّى رأيتُ راجعة الناسِ قد رَجَعَتْ عن الإسلام يَدْعُونَ إلى مَحْقِ دينِ مُحَمّدٍ فخَشيتُ إن لَمْ أنْصُر الإسلامَ وأهلَهُ أن أرَى فيه ثَلْماً أو هَدْماً تَكُونُ المُصيبَةُ بِهِ عليَّ أعْظمَ مِنْ فَوْتِ ولايَتِكُم ، الّتي إنّما هِيَ مَتاعُ أيّامٍ قَلائِلَ . . . » . « 1 » وعندما تسنّم سدّة الخلافة ورجع الحق إلى مداره ، قام خطيباً فقال : « والزَمُوا السّوادَ الأعظَمَ ، فإنَّ يدَ اللّهِ مَعَ الجماعَةِ ، وإيّاكُمْ والفُرْقَةَ ، فإنّ الشّاذَّ مِنَ الناسِ للشيطانِ كَما أنّ الشّاذّ مِنَ الغَنَمِ للذِّئْبِ . ألا مَنْ دَعَا إلى هذا الشّعارِ فَاقْتُلُوهُ وَلَوْ كَانَ تحتَ عِمَامَتي هَذه » . « 2 » هذه هي سيرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وسيرة وصيّه وتلميذه ، وهما تعربان عن أنّ حفظ الوحدة من أهمّ الواجبات وأوجب الفرائض ، ولكن يا للأسف لم تراع الأُمّة نصح النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عبر القرون والأجيال ، وهذه مأساة سقيفة بني ساعدة المسرحية وما تمخّض عنها إذا قرأتها بدقة وإمعان ترى
--> ( 1 ) . نهج البلاغة : الرسالة 62 . ( 2 ) . نهج البلاغة : الخطبة 127 .