الشيخ السبحاني
634
بحوث في الملل والنحل
إنّا نرى أنّ الشيخ أبا الحسن الأشعريّ بعد ما تاب والتحق بالحنابلة ، وحاول إثبات عقائد أهل الحديث بالبرهنة والدليل ، قابله إنكار شديد من قبل الحنابلة ، ولأجل ذلك لم يترجموه في طبقاتهم ولا عدّوه من أنفسهم ، بل استنكر « البر بهاري » رئيس حنابلة بغداد طريقته بأنّه يتجاوز في طرح الأُصول والعقائد عن النصوص ويدخل في باب الدليل والبرهان ، وقد صار ذلك سبباً لحدوث مخاصمة شديدة بين الحنابلة والأشاعرة على مدى القرون . وقد عرفت في الجزء الثاني شكوى الأشاعرة من المتوسّمين بالحنبليّة ، وما هذا إلّا لأنّ خطّ الحنابلة خطّ الرواية عن التابعين والصحابة والاقتفاء بهم من دون أن يقيموا للعقل وزناً ، وهذا على طرف النقيض من كتب الإمام الأشعري ( سوى الإبانة ) وكتب أئمّة الأشاعرة ، فإنّها مشحونة بالاستدلال العقليّ على العقائد وإن كان لصالح آراء أهل الحديث . وفي ضوء ذلك تقف على أنّ موضع المعتزلة من المجتمع السنّي موضع الرقعة من اللّباس ، فكانوا من أهل السنّة ويدّعون الانتماء إليهم ، غير أنّ أهل السنّة لا يقبلونهم ، وهذا وحده يكفي في سقوطهم من أعين العامّة وأوساط الناس . 2 - كان لأصحاب الحديث - بما أنّهم حفظة السنّة وعلماء الدين - نفاذ عجيب في نفوس العامّة ، وكان ذلك كافياً في إثارة سخطهم على المعتزلة ، لأنّهم ما زالوا يذكرونهم على صهوات المنابر وأندية الوعظ