الشيخ السبحاني

628

بحوث في الملل والنحل

عليهم وعدّ فضائلهم وكان الكتاب من حيث الصياغة والتعبير بمكان توجّهت إليه أبصار الخاصة والعامّة ، وبالتّالي ظهر عليه ردّ أو ردود ، أشهرها ما كتبه أحمد بن يحيى الراوندي ( المتوفّى 345 ه ) الّذي كان من المعتزلة ، ثمّ رجع عنهم فألّف كتابه « فضيحة المعتزلة » ولم يبرح زمان حتّى جاء أبو الحسين عبد الرحمن بن محمّد بن عثمان الخيّاط فألّف « الانتصار » انتصر فيه للجاحظ على ابن الراوندي ، والموجود من هذه الكتب الثلاثة هو الأخير . ثمّ إنّ ممّا أعان على انقراضهم هو تشتّت مذاهبهم وفرقهم ، فإنّ القوم تفرّقوا إلى مدرستين ، مدرسة معتزلة بغداد ومدرسة معتزلة البصرة ، ولم تكن حتّى في نفس المدرستين وحدة في التفكير ، فصاروا فرقاً تنوف على العشرين ، وعند ذلك بلغوا إلى درجة من الضعف والانحلال ساعد على زوالهم وانقراضهم . وجاءت الضربة الأخيرة من جانب أبي الحسن الأشعريّ الّذي كان ربيب أبي عليّ الجبّائي وتلميذه ، ورجوعه عن الاعتزال بالتحاقه بأهل الحديث ، فقد رقى في البصرة يوم الجمعة كرسيّاً ونادى بأعلى صوته : « من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه بنفسي أنا فلان بن فلان ، كنت أقول بخلق القرآن ، وأنّ اللَّه لا تراه الأبصار ، وأنّ أفعال الشرّ أنا أفعلها وأنا تائب مقلع ، معتقد للردّ على المعتزلة ، مخرج لفضائحهم ومعايبهم » . « 1 »

--> ( 1 ) . فهرست ابن النديم ، الفن الثالث من المقالة الخامسة ص 231 ؛ وفيات الأعيان : 3 / 275 .