الشيخ السبحاني
629
بحوث في الملل والنحل
فقد كان لرجوع من كان من أكابر تلاميذ أبي عليّ الجبّائي أثر بارز في النفوس ، وبذلك أخذ الدهر يقلب عليهم ظهر المجنّ ، تقلّب لجّة البحر بالسفن المشحونة والفلك المصنوعة ، بين بالغ إلى ساحل النجاة وهالك في أمواج الدهر . هذا هو القادر باللَّه أحد خلفاء العبّاسيين قام في سنة ( 408 ه ) بنفس العمل الّذي قامت به المعتزلة في عصر المعتصم والواثق . يقول الحافظ ابن كثير : « وفي سنة ( 408 ه ) ، استتاب القادر باللَّه الخليفة فقهاء المعتزلة فأظهروا الرجوع وتبرّءوا من الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام ، وأخذت خطوطهم بذلك وأنّهم متى خالفوا أحلّ فيهم من النكال والعقوبة ما يتّعظ به أمثالهم ، وامتثل محمود بن سبكتكين أمر أمير المؤمنين في ذلك واستنّ بسنّته في أعماله الّتي استخلفه عليها من بلاد خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيليّة والقرامطة والجهميّة والمشبّهة ، وصلبهم وحبسهم ونفاهم وأمر بلعنهم على المنابر ، وأبعد جميع طوائف أهل البدع ونفاهم عن ديارهم ، وصار ذلك سنّة في الإسلام » . « 1 » قال الخطيب : « وصنّف القادر باللَّه كتاباً في الأُصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث ، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن ، وكان الكتاب يقرأ كلّ جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي ، ويحضر الناس سماعه » . « 2 »
--> ( 1 ) . البداية والنهاية : 12 / 6 . ( 2 ) . تاريخ بغداد : 4 / 37 و 38 .