الشيخ السبحاني

590

بحوث في الملل والنحل

وروى الترمذي نظيره في سننه كتاب الفتن . روى جعفر بن محمّد عن آبائه ، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : « إنّ المعصية إذا عمل بها العبد سرّاً لم تضرّ إلّا عاملها ، فإذا عمل علانية ولم يغيّر عليه أضرّت بالعامّة » . قال جعفر بن محمّد عليهما السلام : « وذلك أنّه يذلُّ بعمله دين اللَّه ويقتدي به أهل عداوة اللَّه » . « 1 » وبهذا يعرف قيمة كلام أبي هاشم حيث إنّه نظر إلى حقيقة المجتمع بنظرة فرديّة ، ولأجل ذلك لم يقل بوجوب الأمر بالمعروف عقلًا إلّا في مورد واحد وهو ما إذا عرضه الغمّ من ظلم أحد أحداً ، مع أنّه لو كان هذا هو الملاك لوجب في كثير من الموارد بنفس الملاك ، غاية الأمر ربّما يكون الضرر مشهوداً وربّما يكون مستوراً . ثمّ إنّ البحث عن وجوبه سمعيّاً أو عقليّاً بحث كلامي لا صلة له بكتاب تاريخ العقائد ، غير أنّا إكمالًا للفائدة نأتي بنكتة وهي : أنّ الظاهر من القول بوجوب اللّطف هو أنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقليّ ، وذلك لأنّ اللُّطف ليس إلّا تقريب العباد إلى الطاعة وإبعادهم عن المعصية ، ومن أوضح ما يحقّق تلك الغاية هو الأمر بالمعروف بعامّة مراتبه . غير أنّ المحقّق الطوسي استشكل على وجوبهما عقلًا وقال : « لو كانا واجبين عقلًا ، لزم ما هو خلاف الواقع أو الإخلال بحكمته » . وأوضحه شارح كلامه العلّامة الحلّي وقال : « إنّهما لو وجبا عقلًا لوجبا على اللَّه تعالى . فإنّ كلّ واجب عقليّ يجب على كلّ من حصل في حقّه وجه

--> ( 1 ) . الوسائل : ج 11 ، كتاب الجهاد ، الباب 4 من أبواب الأمر بالمعروف ، الحديث 1 .