الشيخ السبحاني
589
بحوث في الملل والنحل
يلاحظ عليه : أنّ أبا هاشم يصوّر حياة الفرد منقطعة عن سائر الناس ، فلأجل ذلك أخذ يستثني صورة واحدة . ولو وقف على كيفيّة حياة الفرد في المجتمع لحكم على الكلّ بحكم واحد ، وذلك أنّ أعضاء المجتمع الواحد الّذين يعيشون في بيئة واحدة مشتركون في المصير ، فلو كان هناك خير لعمّ الجميع ولم يقتصر على فاعله ، ولو كان هناك شرّ يشمل الجميع أيضاً ولم يختصّ بمرتكبه ، ومن هنا يجب أن تحدّد تصرّفات الأفراد في المجتمع وتحدّد حرّياتهم بمصالح الأُمّة ولا تتخطّاها . ولأجل ذلك يشبّه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وحدة المجتمع بركّاب سفينة في عرض البحر إذا تهدّدها خطر تهدّد الجميع ولم يختصّ بأحد دون أحد . ولذلك لا يجوز لأحد ركّابها أن يثقب موضع قدمه ، بحجّة أنّه مكان يختصّ به ولا يرتبط بالآخرين ، لأنّ ضرر هذا العمل يعود إلى الجميع ولا يعود إليه خاصّة . روى البخاري عن النعمان بن بشير أنّه قال : سمعت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « مثل القائم على حدود اللَّه ، والواقع فيها ، كمثل قوم استهمّوا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها . فكان الّذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم فقالوا : لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا . فإن يتركوهم وما أرادوا ، هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً » « 1 » .
--> ( 1 ) . صحيح البخاري : 3 / 139 ، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه . المطبوع على النسخة الأميرية . ورواه الجاحظ في البيان والتبيين : 2 / 49 .