الشيخ السبحاني
532
بحوث في الملل والنحل
إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ » « 1 » ، ويقولون لو لم يكن هذا ال « كن » قديماً ، لوجب أن يكون محدثاً . فكان لا يحدث إلّا ب « كن » آخر . والكلام في ذلك ال « كن » كالكلام فيه ، فيتسلسل إلى ما لا نهاية له . « 2 » وأجاب عنه القاضي : ليس المراد من هذه اللّفظة هو المركّب من الكاف والنون ، إذ لا شكّ في حدوثه ، فيجب أن يكون المراد هو الإرادة . « 3 » ثمّ قال : « والغرض من هذه الآية وما جرى مجراها إنّما هو الدلالة على سرعة استجابة الأشياء له من غير امتناع ، نظيرها قوله تعالى : « فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً » « 4 » . ومنه قول الشاعر : وقالت له العينان سمعاً وطاعة * وحدرتا كالدُّرّ لمّا يثقّب والّذي يدلّ على أنّ المراد هنا ليس لفظة « كن » ، أنّه ليس في المقام مخاطب ذو سمع يسمع الخطاب فيوجد به ، وعندئذ تصير الآية تمثيلًا لحقيقة فلسفيّة ، وهي أنّ إفاضته سبحانه وجود الشيء لا تتوقّف على شيء
--> ( 1 ) . يس : 82 . ( 2 ) . شرح الأُصول الخمسة : 560 . ( 3 ) . المصدر السابق . ولمّا كان القول بالإرادة الحادثة في ذاته مستلزماً لحدوث الذات ، التجأ القاضي وأتباعه إلى أنّ للَّه سبحانه إرادة غير قائمة بذاته ، وهو كما ترى . ( 4 ) . فصلت : 11 .