الشيخ السبحاني

508

بحوث في الملل والنحل

والحقّ هو القول بوجوب اللّطف إذا كان غرض التكليف ( لا غرض الخلقة ) موقوفاً عليه عند الأكثريّة الساحقة من المكلّفين . مثلًا لو فرضنا أنّ غالب المكلّفين ، لا يقومون بتكاليفهم بمجرّد سماعها من الرسل - وان كانوا قادرين عليها - إلّا إذا كانت مقرونة بالوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، وجب على المكلّف القيام بذلك ، صوناً للتكليف عن اللّغوية ، ولو أهملها المكلّف ترتّب عليه بطلان غرضه من التكليف ، وبالتالي بطلان غرضه من الخلقة . وفي الكتاب والسنّة إشارات إلى هذا النوع من اللّطف . يقول سبحانه : « وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » « 1 » . والمراد من الحسنات والسيئات ، نعماء الدنيا وضرّاؤها ، وكأنّ الهدف من ابتلائهم بهما هو رجوعهم إلى الحقّ والطاعة . ويقول سبحانه : « وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ » « 2 » ، وفي الآية إشارة إلى كلا القسمين من اللّطف ، ومفاد الآية أنّ اللَّه تعالى أرسل رسله لإِبلاغ تكاليفه إلى العباد وإرشادهم إلى طريق الكمال ( اللّطف المحصِّل ) ، غير أنّ الرفاه والرخاء والتوغّل في النعم المادّية ، ربّما يسبِّب الطغيان وغفلة الإِنسان عن هدف الخلقة وإجابة دعوة الأنبياء ، فاقتضت حكمته تعالى أخذهم بالبأساء

--> ( 1 ) . الأعراف : 168 . ( 2 ) . الأعراف : 94 .