الشيخ السبحاني
488
بحوث في الملل والنحل
زمانيّة ، فكما أنّ حاجة الجسم إلى العلّة لا تختصّ ببعض أجزائه وأبعاضه ، بل الجسم في كلِّ بعد من الأبعاد المكانيّة محتاج إلى العلّة ، فكذا هو محتاج إليها في جميع أبعاده الزّمانيّة ، حدوثاً وبقاء من غير فرق بين آن الحدوث وآن البقاء والآنات المتتالية ، فالتفريق بين الحدوث والبقاء يشبه القول باستغناء الجسم في بعض أبعاضه عن العلّة . فالبعد الزماني والمكاني وجهان لعملة واحدة ، وبعدان لشيء واحد فلا يمكن التفكيك بينهما . وتظهر حقيقة هذا الوجه إذا وقفنا على أنّ العالم في ظلّ الحركة الجوهريّة ، في تبدّل مستمرّ وتغيّر دائم ، نافذين في جوهر الأشياء وطبيعة العالم المادّي ، فذوات الأشياء في تجدّد دائم وانتثار متواصل والعالم حسب هذه النظريّة أشبه بنهر جار تنعكس فيه صورة القمر ، فالناظر الساذج يتصوّر أنّ هناك صورة منعكسة على الماء وهي باقية ثابتة ، والناظر الدقيق يقضي على أنّ الصور تتبدّل حسب جريان الماء وسيلانه ، فهناك صور مستمرّة . وعلى ضوء هذه النظرية ، العالم المادّي أشبه بعين نابعة من دون توقّف حتّى لحظة واحدة ، فإذا كان هذا حال العالم المادّي ، فكيف يصحّ لعاقل أن يقول إنّ العالم ، ومنه الإنسان ، إنّما يحتاج إلى العلّة في حدوثه دون بقائه ، مع أنّه ليس هنا أيّ بقاء وثبات ، بل العالم في حدوث بعد حدوث وزوال بعد زوال ، على وجه الاتصال والاستمرار بحيث يحسبه الساذج بقاء